المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. مصطفى المرابط Headshot

هل قلتم "إرهاب"؟

تم النشر: تم التحديث:

يصاب المرء بالحيرة والدهشة وهو يراقب تحول وتحويل مفهوم "الإرهاب". فبعد أن كان مفهوماً تم صكه من طرف "المحافظين الجدد" بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لوسم كل من لا يندرج ضمن إستراتيجيتهم، أفراداً وجماعات ودولاً، أصبح اليوم مشتركاً في اللغة السياسية على المستوى العالمي. لم يعد مفهوم "الإرهاب" إذن ملكية سياسية وإيديولوجية خاصة بـ "دول تحالف الحرب على الإرهاب" بل تسلل إلى قاموس من كان يوسم بها، فأصبحت مفردة أصيلة في اللغة التداولية لما كان يصنف كـ "دول مارقة" أو "جبهة الممانعة والمقاومة". وهو أمر يعقد، بدون شك، المشهد العالمي ويربك النظر في قراءة التحولات المتنوعة التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية؛ وفهم أسباب وأبعاد استيطان العنف، كماً وكيفاً، في هذه المنطقة بالذات.

إن العنف، بشكل عام، هو شكل من أشكال التعبير الذي عُرِفت به المجتمعات الإنسانية، إلا أن طبيعة العنف الذي يخيم على المجتمعات العربية والإسلامية يتجاوز بكثير الأشكال التقليدية المتعارف عليها.

ذلك أن تضافر عناصر متعددة داخل هذه المجتمعات- منها العوامل الخارجية والتحولات العالمية والأوضاع الداخلية والتطور التاريخي والميراث الثقافي والثقافة الدينية- شكلت أوضاعا مُركَّبة ومعقدة تجعل اختزال موضوع العنف في عامل أو عاملين فقط- كرده إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو إلى العوامل الثقافية والتربوية- مبتسراً ومضللاً، ناهيك عن فقدانه المصداقية.

وعليه، فإن استحضار هذه العناصر جميعها والعمل على تركيبها يمكن أن يكون أحد المداخل المهمة لإبداع أدوات إدراكية أصلية، قابلة لاستنطاق واقع هذه "الظاهرة".

إن ما يبرر تناول موضوع العنف من جديد كونه يندرج فيما يسمى اليوم "الإرهاب". فبغض النظر عن مصداقية هذا المفهوم وإجرائيته، فإنه أصبح عنواناً كونياً غير محايد يؤدي وظيفة سياسية وأيديولوجية بعدما تم شحنه بحمولة عاطفية ورمزية.

وإذا كان "الإرهاب" هو أحد أمرين: إما أنه فعل أو رد فعل- حسب زاوية القراءة والتفسير- فإن الأهم- في نظرنا- لا ينحصر لا في الفعل ولا في رد الفعل وإنما يكمن فيما وراءهما، ذلك أننا ننظر إليه كأداة تندرج ضمن إستراتيجية واسعة تتوخى تحقيق أهداف وبلوغ غايات.

لاشك أن انهيار المعسكر الاشتراكي وتصدع النظام العالمي السائد كانا بمثابة نقطة تفصل بين مرحلتين؛ فالمرحلة الجديدة اقتضت ترتيبات وقواعد جديدة تبلورت تدريجياً في خطاب رافق مساعي هندسة نظام عالمي جديد. لكن المرحلة هذه لم تقطع مع سابقتها إلا في الأساليب والوسائل، أما على مستوى الأهداف الكبرى فهي استمرار وتكريس لها.

فإذا كانت الحقبة الاستعمارية قد سعت إلى بناء نظام عالمي (الهيمنة والسيطرة) تحت غطاء "التحديث" أو "التمدين"، وحقبة الحرب الباردة تحت غطاء "الصراع الإيديولوجي"، فإن الحقبة الحالية يتم فيها تنفيذ هذا الثابت تحت غطاء جديد اسمه "محاربة الإرهاب".

والواقع أن لفظة "الإرهاب" تختزن بمفردها الإستراتيجية العالمية الجديدة، فهي مفصلة على الصورة التي شكلتها عن العالم وعن خرائطه.

إذا كانت الحرب عبارة عن استمرارٍ للسياسة بوسائل مختلفة حسب كلاوزفيتز، فإن "الإرهاب" هو نفي للسياسة واغتيال للأخلاق، وبالتالي تم تجريد الحرب من أي غطاء سياسي وأخلاقي وإطلاق يديها لإعادة رسم خرائط العالم بأدوات مختلفة. وتتمثل هذه الأدوات في وسيلتين متكاملتين، الخوف والفوضى، تربطهما علاقة جدلية إذ أن وجود إحداهما يقتضي بالضرورة وجود الأخرى.

فـ "الإرهاب" بهذا المعنى هو عملة بوجهين لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى. ذلك أن هذه الإستراتيجية لا يمكن ضمان نجاعتها ونجاحها إلا إذا عبأت المراكز الرأسمالية (الأسواق) وأدرجتها في معركتها، ولا يمكن أن تستنفر هذه المراكز إلا إذا نجحت في ربط استقرارها ورفاهيتها بضبط عالم "الأطراف" والتحكم فيه.

فـ "الإرهاب" الذي يعتمد كإستراتيجية يقتضي، من جهة، إشاعة الخوف في المراكز الرأسمالية بزرع الرعب في كل مفاصل الحياة، ومن جهة أخرى، زرع الفوضى في عالم "الأطراف" بتكثيف العنف فيه وخلخلة توازناته المجتمعية

ليس المقصود بالخوف هنا الخوف الغريزي المرتبط بغريزة البقاء، إنما نقصد به تلك الحالة من الهوس الجمعي، الذي تشل معه القدرات الذهنية وتنطفئ أنوار العقل، به يحكم الناس وباسمه تسن التشريعات وتبرر الميزانيات وتعلن حالة الطوارئ.

فقد أصبح هذا الخوف سلطة مكنت من خلق حالة إجماع سمحت بتعبئة المراكز من أجل اكتساح الأطراف. كما أن ربط استقرار الأسواق وضمان استمرار رفاهيتها بشن حروب على "مصادر التهديد"- وهو جوهر سياسة الخوف- مَهّدا الطريق للإطاحة بمكتسبات الحضارة من حريات وحقوق، مما سمح بتعزيز دولة الأمن والضبط.

لم يكن بالإمكان أن يتمكّن الخوف من حياة الناس لولا تضافر جهود مؤسسات ثلاث: المؤسسة السياسية العسكرية والمؤسسة الاقتصادية والمالية والمؤسسة الإعلامية والفنية.

أما المؤسسة السياسية العسكرية، فيكفي أنها جعلت من الخوف برنامجها الأساس لخوض الانتخابات- أي انتخابات كانت- في الغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً، ودافعاً قوياً لتبرير ميزانيات المؤسسات العسكرية وإنعاش الصناعات العسكرية.

أما بالنسبة للمؤسسة الاقتصادية والمالية وبفضل "فتوحات" العولمة، فقد استطاعت أن "تخوصص" هذا الخوف وتحوله إلى استثمار يدر الربح العميم على الشركات متعددة الجنسيات، وتبدع صناعات جديدة مرتبطة بالأمن تمتد من اللوجستيك البشري إلى التقنيات المتطورة والدقيقة.

أما المؤسسة الإعلامية والفنية فهي وبدون شك الأخطر على الإطلاق، ذلك أنها تستهدف وعي الإنسان ومتخيله؛ فقد نجحت بفضل الصورة والصوت في توطين الخوف داخل الإنسان بعدما تم تدجين الذهن وترويض الإرادة. فنتيجة تضخمُ ثقافة الصورة وتكثيفها أصبحت الأدوار متبادلة بين الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي (الأفلام، الألعاب الإلكترونية) إلى درجة لم نعد نعرف فيها الحدود الفاصلة بينهما.

لم يعد الفن انعكاساً للواقع، كما هو دارج في الخطاب الفني، بل أصبح الفن هو الذي يصنع الواقع، وهو ما يعكس انقلاباً خطيراً لصالح الصورة، وذلك ما أراد جان بودريار الإشارة إليه عندما قال "كدنا أن نقول إن الحقيقة أصبحت غيورة من الخيال وأصبح الواقع غيوراً من الصورة".

هذا عن الخوف كبعد أول لـ "الإرهاب"، أما بعده الثاني، "الفوضى الخلاقة"، يختصر بمفرده مرامي هذه الإستراتيجية، وإلا كيف يمكن الجمع بين متناقضين، "الفوضى" من جهة و"الخلق" من جهة أخرى، لولا أن هذه "الفوضى" تؤدي في نهاية المطاف إلى "النظام". فالفوضى التي تضرب مثلاً أجزاء من المجتمعات العربية الإسلامية، ليست إلا عمليات قيصرية يعاد من خلالها تشكيل مكونات خارطة هذه المجتمعات بما يتناسب ومقاصد الإستراتيجية الكبرى. فما قد يبدو فوضى على المستوى المحلي أو الإقليمي وعلى المدى القصير، هو ليس كذلك على المستوى العالمي وعلى المدى البعيد؛ فزرع "الفوضى" محلياً أو إقليمياً هدفه جني "النظام" عالمياً.

إن العنف نوعان اثنان، عنف كفعل إثارة وعنف كرد فعل أو جواب عن الإثارة، وتدافعهما وتجاذبهما هو الذي يوَلِّد الفوضى. فإذا كان النوع الثاني هو الذي يسلَّط عليه الضوء ويوسم بـ "الإرهاب" فإن النوع الأول تتم توريته وتغطيته مع أنه هو الأصل.