المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. مصعب قاسم العزاوي Headshot

ثقافة التخوين

تم النشر: تم التحديث:

قد يكون الحديث عن استسهال التخوين، والقتل المعنوي، والاتهام بالعمالة، وخيانة الوطن، والارتهان للخارج، واستمراء المتلقي لكل تلك التطبقات من الاتهامات واستبطانه لها، وإعادة إنتاجها والزيادة التطوعية عليها كلما تمّ إعادة تدويرها، موضوعاً نافلاً عن الحاجات والأزمات الضاغطة في المجتمعات العربية اللاهثة للبقاء بين الأمم الحية سواءً في لُج طوفان الطغاة وما استتبعهم من فقر، وجوع، وقهر معاش يومياً بدرجات وتلاوين وإخراجات متباينة لا تغير من جوهر تلك الأقانيم الراسخة في حيوات جُلّ العرب.

ولكنه حديث واجب وضروري في سياق الحضور الكلياني لثقافة التخوين والقتل المعنوي في منطوق الحياة العربية خصوصاً، بالقياس مع وزنها النوعي في ثقافة المجتمعات الأخرى سواء في الشرق أو الغرب من أركان المعمورة.

وقد يكون التحليل الثقافي الاجتماعي مدخلاً ملائماً للتفكر في عمق ظاهرة القتل المعنوي وربطها بثقافة الترهيب، والقمع، والمجتمعات المنزوعة السياسة وحرية التعبير، والدولة الأمنية المستأسدة، التي فيها الكل مُدان تحت الطلب حسب تكثيف المفكر العربي طيب تيزيني.

ويحيل المنهج الثقافي الاجتماعي أيضاً إلى أن القمع يعيد إنتاج القامعين من أولئك المقموعين أصلاً وفق منهجية استبطان فكرة القمع كمنهج للعلاقات بين البشر الأنداد، والتماهي مع الجلاد في انسحاق على الطريقة الفرويدية يذوب عقل الذات النقدي في حوض وعي الذات الجمعية المستباحة، وآلياته الآسنة في رسم حدود وخرائط وأدوات نظم العلاقات بين البشر. وهو الوعي القمعي نفسه الذي يحيل صاحبه إلى سلوك وحشي يوصف عامياً بشخصية (الشبيح) أو (البلطجي) الذي يغيب في منظاره الحد بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، ويحل في موقعه منظار ينظر إلى العلاقات بين البشر كما لو أنها استنساخ عن آليات العلاقة في الغابة يحكمها البقاء للأقوى، والأكثر قدرة على تهميش، وتصفية الآخرين، سواء بشكل عياني ملموس أو بشكل اغتيال معنوي مخاتل.

ويرتبط عضوياً بثقافة الترهيب ومفاعيلها في العقل العربي نسق الوشاية، والمنزلة الخاصة للواشي في مجتمعات الدولة الأمنية، وحظوته لدى أولي الأمر. وهو نسق تحوّل معرفياً، وعبر سنوات طويلة من عمر أجيال عربية لم تعرف سوى القمع، والقهر وسيلة لضبط العلاقات في مجتمعاتهم، وسوى التقرب من أولي الأمر انتهازياً، وعبر الوشاية في كثير من الأحايين بما هو صحيح أو بما تمّ تأويله أمنياً، ليصبح ذلك النسق بمثابة مقدمة طبيعية لحكم جائر باستئصال من وقعت الوشاية بحقه.

وهو نسق تصدّر في سياق ترسخه اجتماعياً لأن يكون الأرضية المثلى لتلاوين وتنويعات لا تغير من أُسّه الأشوه في إخراجات اجتماعية متعددة لمنهجية التخوين والقتل المعنوي، تمثل استمراراً منطقياً لمفاعيل وأدوات ثقافة الوشاية والعقل الأمني عربياً.

وقد يكون غياب قيمة العمل من قاموس التقييم الاجتماعي لمكانة الأفراد في شبكتهم، وحوضهم الاجتماعي، لتكون قيمة هامشية تقبع في ظل القيم الاجتماعية الأخرى سواء كانت مادية مستحدثة في سياق الاندماج الأشوه للمجتمعات العربية في نسق الإنتاج العالمي الرأسمالي كعنصر مستهلك منفعل، أو في سياق الاستحضار التاريخي لمنظومة قيم المجتمعات ما قبل الوطنية التي لم تبارح أي من المجتمعات العربية سواء في بنياتها المرتبطة بالإقطاع، والمجتمعات الماقبل صناعية، والمرجعيات القبلية، والعشائرية، والمناطقية أو حتى الإثنية، والمذهبية التي تكاد تحول الآخر في حالات كثيرة إلى حيز الآخر الضد فيصبح من (أولئك) الذين يحل استباحتهم وقتلهم معنوياً، فهم أصلاً (أغيار) لا ينطبق عليهم أصول الضبط الأخلاقي المرتبط عضوياً بآليات عمل وأعراف المجتمعات الماقبل وطنية.

بينما قيمة العمل هي القيمة الأولى في تصنيف المكانة الاجتماعية للبشر في تصنيف المجتمعات المتحضرة، وهي قيمة صرفة تستند إلى تقييم مساهمة الفرد في ديمومة حياة المجتمع بغض النظر عن وزنها المادي، أو هيبتها المعنوية في حالة عمل كل فرد بعينه.

ويجادل رهط من المفكرين العرب بأن تسيد الفقر، والاستلاب الاجتماعي الاقتصادي، واقتران اقتصاد الوفرة في بعض الدول العربية بنمط إنتاج ريعي غير إنتاجي، واعتبار الفساد والإفساد حالة نمطية وطبيعية في أسلوب حكم المجتمعات العربية، وهو ما يؤدي في جماعه إلى إنتاج فئات هامشية مفقرة عاطلة عن العمل تمثل الجزء الأكبر من القوة البشرية العربية التي يفترض بها المشاركة في عملية إعادة إنتاج حيوات أفرادها، وحياة المجتمع الذي يتشاركون فيه.

وهي نفسها الفئات الهامشية التي تتلقى باضطراد صبيباً متواتراً من أبناء المفقرين الجدد من أبناء الطبقات الوسطى الذين لم يعودوا قادرين على التمسك بموقعهم كأفراد في الطبقات الوسطى المتآكلة، ما اضطرهم قسراً إلى التهاوي إلى العمق الهامشي في المجتمع، والانضباط على إيقاع بنياته الناظمة له، وخاصة فيما يتعلق في وفرة وقت المهمشين العاطلين عن العمل، وهو الذي يتوجب هدره في شكل ما، وتناسي معايير الطبقات الوسطى التي تمثل منبع النواظم الأخلاقية في كل المجتمعات البشرية كجزء من دورها الطبيعي في بناء كل المجتمعات والحفاظ على ما أنتجه أسلافها من منظومات قيمية لحماية المجتمع الذي ينتجونه ويتفاعلون فيه، والتي لا تحتمل استدماج أدوات التخوين والقتل المعنوي لتنافرها وظيفياً مع الدور البنيوي لتلك المنظومات القيمية في التكوين الاجتماعي للطبقات الوسطى.

وقد يستقيم الحديث في ذلك السياق عن ظاهرة المثقف المرتزق، وهو محترف لصنعة القلم والكتابة دون أخلاقها، يستمرئ العمل كقاتل مأجور متخصص في الإعدام المعنوي سواء كان مضطراً لضيق حاله، أو متلذذاً بفعل الارتزاق، والذي يجد أرضيته الخصبة للاستشراء في المجتمعات العربية في ظل ضيق حال الكثير من الكتاب، وتغييب ثقافة الحوار، والجدل العقلاني كنتيجة طبيعية لتسيد ثقافة الترهيب، والدولة الأمنية، ليصبح الاختلاف مصدراً للعداوة التي تبرر للمثقف المرتزق قيامه في تنفيذ حكم الإعدام المعنوي دون حياء أو وجل.

وفي نفس السياق قد يصح الإشارة لما يراه بعض المفكرين العرب في مكانة الأنا المتورمة في الذهنية العربية المستقاة من ثقافة التفاخر، والتبجح بلا سند، ومثالها الأكثر نصوعاً في الثقافة العربية شخص وشعر أب الطيب المتنبي. وهي نفسها الأنا المتورمة التي لا تبصر في الآخر سوى جرحاً نرجسياً محتملاً يستحق السحق بحق أو بغيره، وقد يكون الاغتيال والتصفية المعنوية أكثر الأدوات نجاعة في تحقيق ذلك الهدف الجائر.

إن استبطان جريمة القتل المعنوي، وإعادة إنتاجها ظاهرة فكرية سرطانية في العقل العربي تستوجب العقلنة والترشيد من الجيل العربي المعاصر، المناط به النضال للحفاظ على الحد الأدنى من ممكنات العيش الطبيعي مستقبلاً في المجتمعات العربية في لج التهديدات الوجودية الذاتية والموضوعية التي تحيق بها. فالكل خطّاء سالفاً، وراهناً، ومستقبلاً. وكون الإنسان بلا خطيئة هو رابع المستحيلات بعينه. وإن العقل الرشيد يقتضي بأن لا يرجم أحد غيره، ويفتأت عليه، ويقتله معنوياً دون التعقل بعين وقلب مستبصرين رشيدين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.