المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مقراني عثمان Headshot

عن معركتي مع الاكتئاب!

تم النشر: تم التحديث:

عن معركتي مع الاكتئاب أكتب لكم اليوم...لكن من أخادع عندما أقول "اليوم"؟
لم أكتب مقالاً على الإنترنت من قبل، الفكرة ظهرت فجأة اليوم وذلك للعدد الهائل من الأفكار المتناحرة في رأسي.

فكرت ربما أن الكتابة ستساعد لتصفية ذهني، وكذلك ربما يفهم المجتمع هذا المرض أو على الأقل يعترف بخطورته. فاسمحوا لي واعذروا تعبيري وكلماتي.

المعركة بدأت منذ أن كان عمري 15 سنة، وطول مرحلة الثانوية وصولاً إلى السنة الأولى من الجامعة. طوال هذه الفترة لم أكن أعرف ما يصيبني مراراً وتكراراً لجهلي التام بالمرض (كنت أحسب الاكتئاب هو نفسه الانهيار العصبي)، عرفت أن شيئاً ما يصيبني، شيئاً ما أو بالأحرى شخصاً آخر غريباً يعيش بداخلي يكبح طاقاتي ويجرني إلى أسفل القاع معه. هل أنا أعرف الكثير عن المرض؟

لا. أنا لم أفهم المرض جيداً، مازلت لا أستطيع أن أضع حتى قائمة بسيطة حول كيفية التخلص منه ومقاومته، لازلت أكافح يومياً للتخلص منه أو حتى قدرة التعايش معه.

أعرف أن الاكتئاب ليس له أسباب محددة، فهو ليس كأي مرض أي هناك السبب والعلاج، لكن في حالتي، يمكن أن أحصر السبب في الغياب "شبه" التام للأصدقاء، العلاقات مع الجنس الآخر وأخيراً التفكير الزائد عن حده.

لكن مع كل هذه السوداوية والسلبية هناك بعض الأمور تعلمتها من خلال هذا الصراع حول المرض سأحاول ذكرها مع بعض الحلول المقترحة.

على عكس ما هو شائع في المجتمع (اللي هو بالمناسبة يحسب أن الاكتئاب ليس مرضًا حقيقيًا بل إنه مجرد حالة تافهة)، الاكتئاب ليس مجرد الشعور بالحزن، فهو خليط من الحزن، اليأس، القلق إلى أن يصل الأمر بالمريض إلى فقدان الاهتمام بأي شيء في الحياة، فالحياة تصبح أمراً "زايد ناقص" يعني الحياة ليس لها أي قيمة وأهمية لدى المريض.

1- أعتقد أن أول خطوة وأصعبها بالمناسبة في هذا المرض هو الاعتراف بالمرض، ويتمثل هذا الاعتراف في إخبار العائلة، الأصدقاء أو الذهاب إلى أخصائي نفسي. في حالتي، لم أطلع العائلة عن الأمر، ولدرايتي الشاملة أن الناس لن تفهم شعوري، لكن أطلعت صديقاً في العالم الافتراضي حول هذا الشعور.

ولحسن الحظ هذا الصديق (اللي هو من غزة بالمناسبة) سبق أن مرّ بهذه المرحلة، فأول نصيحة كانت هي استشارة أخصائي نفسي. عملت بالنصيحة وذهبت في نفس اليوم (كان يوم خميس، ويعتبر أصعب يوم في حياتي)، حيث كانت الطبيبة مستمعة جيدة وشخّصت حالتي بأني أعاني من "أعراض الاكتئاب" وليس بالضرورة الاكتئاب.

الجلسة أفادتني كثيراً، وصرت لا أخجل من المرض بعد تلك المحادثة. فالعديد من الناس ينتظرون مدة طويلة قبل الذهاب إلى الطبيب، فكلما أسرعت كلما كانت النتيجة إيجابية.

2- تعلمت أيضاً أن للاكتئاب خاصية تميزه عن باقي الأمراض ألا وهي "الكذب"، فهو لا يتوقف عن محاولة إقناعك بأمور غير حقيقية. فمثلاً، الآن وأنا أكتب هذه الكلمات، نفسي تقول لي إن هذا المقال لن ينشر أبداً، وحتى إذا نُشر فإن الناس ستضحك عليّ وعلى كلماتي. فهكذا يقنعك الاكتئاب بأنك غير صالح لأي شيء، أنك فاشل.

3- هناك أمل في الشفاء، فهناك العديد من الأدوية خصيصاً لهذا المرض. لكن في رأيي الشخصي، العلاج النفسي هو الأفضل، فالمحادثة مع الأخصائيين قد تساعدك كثيراً، كذلك تكوين صداقات مع أناس مكتئبين أو كان عندهم اكتئاب قد يساعدك كثيراً، فمشكلة الاكتئاب هي عدم فهم المجتمع لحالتك، هذا الأمر يزيد من حدة المرض. كذلك أسلوب مجموعات المحادثة الذي هو مهم جداً، فتبادل الأفكار والأحاسيس مع الناس الأخرى تساعدك على الشفاء أو تجديد الأمل في الشفاء.

4- غياب الأصدقاء من الأسباب الرئيسية للاكتئاب. ففي حالتي، أنا إنسان غير اجتماعي ومنعزل كثيراً وعلاقاتي مع الجنس الآخر منعدمة. فالوحدة والروتين هما أصدقاء الاكتئاب، فالوحدة تجعلك تنعزل عن العالم وتجعل برنامجك اليومي شبه عادي وروتيني.

والروتين يعتبر تربة خصبة للاكتئاب، فالحل هنا إدخال بعض التغييرات حول برنامجك اليومي، تحديد أهداف قصيرة المدى لتنفيذها، تجديد تلك الأهداف يومياً واكتساب صداقات جديدة، وإذا نجحتم في الأمر الأخير، أفيدونا بارك الله فيكم.

5- كما يمكن في بعض الحالات أن يكون الاكتئاب مرئياً كتمييز حالة الملابس والمظهر وكذا الحزن الدائم والانعزال. الاكتئاب يكون غير مرئي غالباً، فحالتي مثلاً، أنا دائم الابتسام وملامح السعادة ظاهرة على وجهي، فالعديد من الناس يحاولون إخفاء تعاستهم بالضحك والتظاهر أن كل شيء بخير، لذا الإفصاح عن المشاعر - مهما كان صعباً - يعتبر عامل جد مفيد.

آخراً وليس أخيراً عندي شبه نصيحة لغير المكتئبين الذين ربما يكترثون لنا، من فضلكم لا تسألوا أي شخص مكتئب ذلك السؤال الاعتيادي الممل: "لماذا؟"؛ لأن الاكتئاب ليس علماً دقيقاً، حيث توجد الأسئلة والأجوبة، إنه أكثر من ذلك، فحتى المكتئب نفسه لا يعرف غالباً ما به ويكتفي بقول: "أنا بخير".

عوضاً عن ذلك حاولوا أن تفهموا حجم المعاناة والسوداوية التي يمر بها، وحاولوا أن تستمعوا له حتى ولو لم تفهموا، فمجرد وجود شخص يسمع همومنا فهذا أمر أكثر من رائع. لن أكذب عليكم وأقول إن مصاحبة شخص مكتئب هو أمر سهل؛ لأنه ليس سهلاً، لكن مصاحبته ومحاولة المساعدة سيكون أنبل شيء تفعلونه في حياتكم.

أخيراً أنصحكم بشيء: إياكم والوحدة، كوّنوا صداقات، ادخلوا في علاقات حب، لا أكترث، المهم لا تبقوا وحدكم وتسمحوا للاكتئاب أن يقتل روحكم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.