المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منذر فؤاد Headshot

هرمنا وأخواتها

تم النشر: تم التحديث:

"هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية"، كانت العبارة الأكثر تأثيراً، وتعبيراً عن حالة شعورية نادرة، والتي قالها الحاج أحمد الحفناوي عقب نجاح الثورة التونسية ضد نظام بن علي قبل 6 سنوات من الزمن، وأصبحت العبارة بشكل عام، وكلمة "هرمنا" بشكل خاص، واسعة الاستخدام في أكثر من بلد عربي، وفي أكثر من موقف خلال الحياة اليومية.

وإذ تعود بي الذاكرة للخلف قليلاً، أشاهد "الجزيرة" وهي تعرض الرجل وهو يصرخ بالعبارة من أعماق قلبه حزيناً وفرحاً في الوقت نفسه، وهو يشاهد الشباب وقد صنعوا ثورة لم يكن متوقعاً نجاحها، معبّراً عن مشاعره الكبيرة بكلمة اختصرت الزمن وملامح الشيخوخة، بكلمة هزّت مشاعر الملايين، وكان لها إيقاعها المؤثر في ذاكرة التاريخ، ولا يزال يتردد صداها: "هرمنا".

لم تكن كلمة "هرمنا" بعيدة عن السياق الثوري والشعبي والمشهد العربي الذي ظل عقوداً في قبضة الأنظمة والمخابرات؛ ولذلك كانت معبّرة عن الوطن العربي بأكمله، وليس تونس فحسب، فالكلمة أضحت متداولة على نطاق واسع، يستخدمها البعض عند الشعور بتحقيق هدف طال انتظاره من باب الدعابة، والبعض الآخر يستخدمها تعبيراً عن الامتعاض من واقع ملطخ بالدم، في أكثر من مدينة عربية.

الثورات العربية كانت حافلة بالكثير من العبارات، والكلمات، التي أرّخت للحظة ثورية، وحالة آنية تحمل دلالات تتجاوز لسان قائلها، وكان للطغاة نصيب من هذه الكلمات المعبّرة، وإن اختلفت معانيها حسب ظروف الزمان، والمكان، لكن المخاطب لم يختلف، هو الشعب صاحب القرار الأخير.

قال بن علي: "فهمتكم"، وغادر الحكم عبر طائرة خاصة إلى السعودية، بينما راوغ صالح مخاطباً الشعب: "فاتكم القطار"، فأصبح ملاحَقاً، ولم يجد سكّة يأوي إليها، كما راوغ القذافي مِن قبله، متحدياً الشعب بالقول: "من أنتم؟!"، وواصفاً إياهم بـ"الجرذان"، حتى استقر به المقام في حفرة لم تحمِه من بطش الثوار، ومشاهد اللحظات الأخيرة التي التقطتها كاميرا الهاتف المحمول وهو يصارع سكرات الموت، وكان قدره أن يدفن في الصحراء التي تغنّى بها كثيراً، أما طاغية سوريا فكان له مصطلحه الخاص بالمؤامرة الكونية، الذي أثار تندُّر كثيرين، واستطاع الوصول عبر جماجم السوريين إلى مصطلح حضن الوطن، في محاولة لشرخ صف الثورة التي أخذت بُعداً مسلحاً منذ سنواتها الأولى.

في عصر التفاعل الرقمي ومنصات السوشيال ميديا، بالتوازي مع المشهد الدموي الذي تعيشه مدن عربية، وصلت صرخات وعبارات المستضعفين إلى كل مكان، لكنها لم تحرّك شعرة، ولم توقظ ضميراً بقدر ما ولّدت مشاعر من الغضب المؤقت الذي ينتهي بعد وقت قصير.

ومثلما كان لكلمة "هرمنا" وقعها الخاص وانتشارها الواسع، واستخدامها في حالات المعاناة، أو الدعابة والمرح للتعبير عن حالات معينة من باب الطرافة، فإن هناك كلمات وعبارات قيلت في ظروف مؤثرة ومعبرة أيضاً في أكثر من مدينة عربية، غير أن هذه الكلمات تعبّر عن صدمة كبيرة لقائليها وهم من الأطفال، وذكرها لا يستدعي سوى لحظة خروجها مصحوبة بالألم الذي تجاوز البراءة بكثير، وكمثال على ذلك كلمة "لا تقبروناش" التي أطلقها الطفل اليمني فريد قبل أن يفارق الحياة بوقت قصير، إثر تعرض منزله للقصف من قِبل ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح. وكلمة "لا تقبروناش" تعني بالفصحى "لا تقبروني".

وغير بعيد عن اليمن، شكلت صرخة الطفل السوري عبد الباسط إضافة جديدة لقاموس المآسي التي تطول براءة الأطفال، فقد عبد الباسط قدميه بفعل القصف الروسي، وصرخ بكل جراحه: "شيلني يا بابا"، في لحظة صدمة نفسية لطفل لم يتجاوز العاشرة من عمره.

الحرب والثورة كلمتان تتولد منهما عبارات ومصطلحات نلجأ إلى تكرارها فقط؛ لنعبّر عن حالة آنية، ونكتب تاريخاً من حروف كلمة أو أكثر، وإذا كان الحاج الحفناوي صرخ بعبارته الشهيرة، ليعبر عن فرحته بنجاح ثورة شارك فيها شعره الأبيض، فإنه من الصعب اليوم وفي ظل المجازر الوحشية التي ينفذها أرباب الثورة المضادة، في أكثر من مدينة ثائرة، أن نسقط عبارة الحفناوي كاملة على واقعنا، يمكننا أن نسقط الكلمة الأولى من العبارة فقط، حتى نعيش لحظة فارقة وتاريخية نشعر فيها بلذة الانتظار والصبر.

اليوم وبعد مرور سنوات يا حاج أحمد، على لحظتك التاريخية، هناك ملايين الغلابة من المحيط الأطلسي وحتى سواحل إندونيسيا يخاطبونك بلسان الحال: "هرمنا يا أحمد ونحن ننتظر لحظاتنا التاريخية التي لا نعرف متى ستأتي؟!".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.