المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منذر فؤاد Headshot

بين حرية الكلمة وحرية الجسد

تم النشر: تم التحديث:

في عالم الأنظمة العربية التي تهتم بمراقبة كل ما يمس عظمة النظام الأوحد، خصوصاً وسائل الإعلام، يصبح كل ما سوى ذلك مباحاً، ومراقبته تضييقاً للحرية والإبداع، بحيث أصبحت حرية الكلمة الحرة لا قيمة لها إذا قورنت بحرية الجسد وحرية التعري وحرية الفضاء الفاضح.

ظاهرة الإباحية في المحتوى الإعلامي الذي تقدمه وسائل الإعلام العربية وصلت حداً لا يمكن تبريره أو السكوت عنه، فالمسألة أصبحت تتعلق بقيم المجتمع الإسلامية وتقاليده المحافظة التي يراد لها أن تكون نسخة طِبق الأصل عن المجتمعات المتحللة من القيم والأخلاق.

ومن المهم الإشارة إلى أن المحتوى الإعلامي المنحط في القنوات العربية بشكل خاص توسع بشكل كبير عقب اندلاع الانتفاضة العربية عام 2011، وكأن هناك رغبة من مالكي هذه القنوات في إفساد الشباب العربي، الذي لم تستثنِ ثورته النظام الحاكم فحسب، بل طالت كل ما له صلة به، ومن بينهم رجال المال والأعمال الذين يملكون هذه القنوات.

استمرار نشر الفساد الأخلاقي من خلال المحتوى الإعلامي أو الكليبات الغنائية الهابطة تحت يافطة الجرأة في سبيل إفساد المجتمع وأخلاقه وهدم العفة والفضيلة يشبه إلى حد كبير ما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون، الذين اتخذوا من جسد المرأة ونشر الانحطاط الخلقي والانحلال الاجتماعي وسائل لتحقيق أهدافهم في السيطرة على العالم، كما يعتقدون، مع وجود تباين في أن المرابين العرب يستخدمون ذلك لخدمة النظام الحاكم عن طريق إشغال المجتمع بمحتوى ينسيه مشكلات السياسة، ويفسد قيمه في نفس الوقت.

وبالتوازي مع هذا المحتوى الإعلامي المنحط الذي يركز على حرية الجسد وتحرير مفاتن المرأة، تصبح حرية الكلمة والكلمة الحرة أمرين يقضان مضاجع النظام العربي في حال جرى الحبر بالحديث عن الفساد وانتقاد سياسة النظام، وكشف الممارسات غير القانونية في صورة تقترب من ملامسة السواد الأعظم من هموم ومعاناة المواطن العربي.

وهو ما لا يتفق مع أهواء ونزوات السلطة التي تحرص على صرف الناس عن إخفاقاتها المتوالية إلى إنجازاتها الوهمية التي يتكفل بتسويقها الإعلام الرسمي.

الكلمة الحرة التي ترسم صورة الفساد تعتبر تحريضاً لقلب نظام الحكم، بينما الكلمة التي تنتقص من مبادئ الدين الإسلامي والذات الإلهية تندرج في إطار حرية التعبير من وجهة نظر النظام العربي المرتجف.

حرية الكلمة الصادقة إذن هي عملية إرهابية يتوجب استبدالها بالكلمات المدبوجة التي تسير في سكة القائد الملهم، وحرية الجسد جزء من خدمات النظام العربي الذي يقدم للجماهير للاستمرار في الغيبوبة القسرية، وإن كان لا بد من ربط ضياع حرية الكلمة في مقابل حرية الجسد فلن نذهب بعيداً.

في ليلة الانقلاب العسكري بمصر في الثالث من يوليو/تموز وبينما كانت قنوات الجسد المصري تواصل بث المحتوى المنحط شرع رجال الجيش في إغلاق فضائيات أخرى محسوبة على الكلمة الحرة التي ترفض فكرة الانقلاب وحكم القبعات العسكرية التي لم ترضخ بعد للإرادة الشعبية.

حرية الكلمة الحرة قضى عليها تحالف الحوثي - صالح في اليمن بشكل كلي، وقبل أن تشرع في تصفح موقع إخباري عبر الإنترنت تأكد من امتلاكك لبرامج كسر الحجب، وهذه البرامج لا تحتاجها عند تصفحك لمواقع أخبار الفن المنحط، إنه الانحطاط الذي يتقنه رجال الدولة العميقة والأفكار العقيمة.

الانحطاط الذي كُرمت بموجبه راقصة مصرية من قِبل الجيش المصري في مارس/آذار 2014 ونالت لقب الأم المثالية في البلاد، وفي الحقيقة لم يكن تكريماً بقدر ما كان دعوة صريحة للمجتمع المصري للتوجه إلى غرف الانحطاط والسهرات الراقصة، بدلاً عن ميدان التحرير أو رابعة العدوية، وهنا يكمن السر في التزايد المتسارع لوسائل الإعلام التي تنضوي في إطار حرية الجسد على حساب وسائل إعلامية تنضوي في إطار حرية الكلمة والكلمة الحرة.

لا يقتصر ذلك في "أم الدنيا" فقط، وإنما على رقعة الجغرافيا العربية مع وجود تفاوت في الوسائل المستخدمة التي تؤدي في النهاية إلى طريق واحد، الحفاظ على الكرسي أولاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.