المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منجي باكير  Headshot

بعْنا قِيمنا فحرقوا رضيعنا

تم النشر: تم التحديث:

في البدء، لنكْش ذاكرتنا المهترئة لنكْء جراحاتنا التي رافقتنا حتّى استأنسنا بها فأصبحت جزءاً لا يتجزّأ من خيباتنا، ولفتح ثقب في مخيخ كلّ عربي مسلم طال سباته ومات إحساسه حتّى صار يتابع جرائم الصّهاينة التي تتقطّع لها الأكباد، صار يتابعها على شاشات التلفاز كما أيّ مسلسل باهت الإخراج،،، حتّى يتسنّى لنا أن نسترجع بعضاً من ذاكرتنا المفقودة، نذكّر بعضنا بما قالته جولدامائير عقب حرق المسجد الأقصى، قالت: (لم أنم طوال الليل كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجاً من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي علمت أنّه باستطاعتنا
أن نفعل أي شيء نريده).

جملة قالتها واحدة من أركان الصهيونيّة وأكبر عدوّ للعرب والمسلمين عقيدة و ممارسة، جملة كانت كافية لاستنهاض الغول الصهيوني في إسرائيل، كما كانت في الآن نفسه رسالة طمأنة وكلمة عبور سانحة لكلّ عمل إجرامي يستهدف أهلنا في فلسطين السليبة، لكنّها لم تعن شيئاً أبداً لعرب ذاك الوقت ولا للذين خلفوا من بعدهم ، ليستمرَّ مسلسلُ مشروعِ إبادة شعب بأكمله واغتصاب وطن بالحديد والنّار قائماً أمام أنظار كل العالم وكلّ المؤسسات والهيئات العالمية التي تدّعي حماية الحقوق و صوْن الإنسانية ونصرة المظلومين..!

ومــــــا كان ليتجرّأ الصهاينة هذه الأيّام في الإقدام على حرْق الرّضيع الفلسطيني-علي الدّوابشة- في قرية دوما بنابلس في الضفّة الغربيّة، ماكان ليتجرّأ حفنة الصهاينة لو علموا أنّ في الأمّة أو في بعض من حكّامها ما قد يشكّل ولو أبسط ضرر أو خطر، لكنّهم علموا وتيقّنوا أنّ أقوى ردود الفعل ستكون استهجانا شعبيّا واستنكارا رسميّا وإدانة محتشمة في دوائر القرار العالميّة...

حرقوا الرّضيع ومن قبله حرقوا أطفالاً وحرقوا أكباداً ، حرقوا واستحلّوا المقدّسات وككلّ مرّة تمرّ جرائمهم بلا رادع، لأنّه بكلّ بساطة ماتت فينا وفي حكّامنا النّخوة و اُقبرت الشهامة وانعدمت فينا نُصرة المظلوم وانتفت عندنا أواصر وحقوق القُربى وتناسينا ديننا لنقف في كلّ جبْن وذلّ عند حدود سايكس بيكو التي اكتست صبغة القداسة أكثر من كلّ مقدّس.

ولأنّه ببساطة أكثر بعْنا قِيمنا واستبدلناها بإيتيكات وبروتوكولات التغريب ليبقى التاريخ ينشد وحده في تجاويف الفراغ بعضاً من فخريّة عمرو بن كلثوم:

ملأنا البَر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي تخرُّ له الجبابر ساجدينا