المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منجي باكير  Headshot

التّلبيس في خطاب الرّئيس

تم النشر: تم التحديث:

إنّ وضع الوطن وشعبه هذه الأيّام على صفيح ساخن، تتهدّده أيادي الغدر على مدار السّاعة وفي كلّ شبر منه، كما أنّه ابتُلي بطبقة سياسيّة إضافة إلى أنّها لا تتقن العمل السياسي ولا تفقه في إدارة الأزمات وتوظيف الممكن للدّفع نحو الأفضل فهي كذلك تحتوي داخلها على نخبة / نكبة بانت نواجذها من أوّل وصولها لمواقع القرار وبدأت براثنها تحفر في خنادق التمركز واصطياد المصالح ولو مقايضة بالمصالح العليا، أيضا وعلى الضفّة - الموازية - أكمل قتامة المشهد إعلامٌ رديء فاسد، مفسد لا يهمّ أكثر شاغليه إلاّ نوع العملة التي سيقبض بها الثّمن، ولا يعنيه مَن سيدفع له ولا أيضاً ما مقابل ذلك، إعلام جعل آخر أولوياته الوطنيّة والوطن، منساق في دوائر متكاملة لتجسيد لعبة قذرة تغريبيّة تفكيكيّة بلون كلّ الشّذوذات الفكريّة والجسديّة بمعاضدة أيقونات أزلام العهد البنفسجي من كثير من القطاعات والجماعات وبعض الجمعيّات المسيّرة رأساً من خارج البلاد.

كما أنّ البلاد مازالت تكابد الكثير من المشاكل الموروثة والمستحدثة، مشاكل تهم البطالة والفقر المدقع والجريمة والفساد الأخلاقي والتهريب وانعدام التنمية وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة، كما أنّ كثيراً من مقوّمات العيش الكريم لا تتوافّر في بعض جهات البلاد، فضلاً عنها في المناطق المتاخمة للمدن والقرى.

كلّ هذا وأكثر تعيشه البلاد طوعاً وكرهاً تترقّب الحلحلة والخروج من عنق الزجاجة الذي لم تفلح الحكومات السّابقة في تحقيق ولو الجزء القليل منه.

وسط هذا التّخم من الأوضاع أطلّ علينا خطاب السيّد الباجي رئيس الدّولة الذي توسّم فيه كثير من المواطنين خيراً ورأوا فيه - خروج الدخان الأبيض - لإعلان أيّ شيء يمكن أن يثلج صدور المواطنين، يمكن أن يلامس حيثيّات مشاغلهم وهمومهم ولو من قريب، انتظروا منه ذلك باعتبار أنّه لم تعد لهم ثقة كبيرة بكثير ممّن يشغلون الحراك السياسي الدّائر، فهم علّقوا آمالهم على هذا الخطاب - النّادر - الذي يجيء وسط أحزان مخلّفات الإرهاب المجرم وما أعمله في قلوب ونفوس التونسيين الذين أصبحوا يعيشونه واقعاً بعد أن كانوا يتابعونه من خلال الشّاشات.

لكــن شيئاً من هذا لم يحصل، بل لعلّ كثيراً من المفردات والجمل التي جاءت في الخطاب قد لبّست على من تابعه فأثّرت سلباً وزادت في الحيرة، كذلك المضمون والسياق العام الذي راوح بين استعراض مشاكل حزبه وطمأنة عابرة، حزبه - الذي لم يظهر جزماً أنّه انفصل عنه كليّاً - حزب النّداء المحسوب شكليّاً على دفّة القيادة وحكم البلاد، فإذا كان هذا هو حال الحزب الحاكم مع نفسه فكيف به في سدّة الحكم، إذا كان لم يستطع حسم خلافاته بعيدا عن الأضواء فكيف سيحلّ مشاكل البلاد؟ وإذا صدقت الاتهامات التي تبادلها شقوقه فكيف سيرضى وهو - رئيس كلّ التونسيين - أن يؤمّن البلاد والعباد لهؤلاء الشخوص الذين - عرّوا المكبّ- على بعضهم البعض؟

كذلك ما جاء في خطاب الرئيس من طمأنة للتّونسيين بتغلّب الدولة على الإرهاب وإمساكها بزمام الأمور لم يكن بالقدر المقنع بالنّظر إلى الواقع المُعاش.

خطاب الرّئيس أيضاً لم يحمل - المفاتيح - الأساسيّة لاحتواء حيرة وقلق التونسيين، ولا أيضاً - تبشيرهم - بمرتقب إيجابي على المستوى المنظور، فكان هذا الخطاب عامل توجّس وتلبيس أكثر منه داعيَ طمأنة واستبشار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.