المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منجي باكير  Headshot

هل يجب أن نموت حتى تلحقنا بعض أسباب الحياة

تم النشر: تم التحديث:

عــــــاشْ يتمنّى في عنْبة، مات علّقولوا عنقود، شيء من هذا المعنى الذي يحمله مثل صاغه قديماً أهل العمق الشّعبي وتركوه خلفهم لنقايس به كثيرا من مفارقات العيش ونقابل به كثيراً من المظلمات وكذلك لندْرَأ به كثيراً من التأويلات التي - تُشعل - دواخلنا وأفئدتنا، قلت شيئاً من هذا المعنى هو الذي يُعنْون ما أصبحنا عليه في هذا الوطن العزيز وأصبح لكثير من أبنائه القاعدة العامّة التي تنتظر مع كلّ حصول تغيّر جديد للحراك السياسي استثناءً لها .

لعلّ ما حدث مع البوعزيزي سابقاً - جسّم - هذا المنحى الخطير، فلولا أنّه فعل في نفسه ما فعل وأعدم شبابه من القهر والظلم وأحرق نفسه الغالية عليه لما كانت الثّورة وكذلك ما كان أن يجوب اسمه الآفاق ويتصدّر عناوين الأخبار العالميّة بأولويّة مطلقة وما كان ليتغيّر كثيراً من الحال.

ومن بعده كانت تقريباً هي المصائب من يحوّل الأنظار إلى محيطها وأهلها ويجلب الاهتمام ويدرّ - عطف - الهيئات والأشخاص والجماعات خصوصا إعلام الهانة، وكذلك من يحتّم حضور الدولة ويستنهض بعضاً من ضميرها الغائب لتتمسّح على أعتاب واجبٍ أهملته كما أهمله سابقوها نحو مواطنيها الذين غمرهم النّسيان وضاعت جغرافيّة مَواطنِهم عند أغلب مكوّنات المشهد السياسي والمجتمعي، هذه المكوّنات التي لا تفقه تضاريس تلك المناطق إلاّ في مهرجانات الحملات الانتخابيّة وصور الذّكرى وبروباجندا الإعلام الرّخيص!

فهذا - مبروك السّلطاني - (رحمه الله) أقرب نموذج سببيّ لهذه السّياسات الرّعناء، ألم يكن مبروك نكرة حتّى على بُعد بعض الكيلومترات من مرعاه؟ وكان سيظلّ كذلك مهما حدث له، كان ربما يعيش ويتزوّج وينجب ويموت ولا تكاد تسمع له خبراً، وكذلك كان أهلوه وجيرانه وكثير من المناطق الشّبيهة جغرافيّة وأوضاعاً لم تكن في حسبان السّياسة وأهلها إلاّ ربّما لجني ضرائب ومكوس أو للخدمة العسكريّة ولتسجيل حضور انتخابي عند الاقتضاء .

أليس حريّاً بأهل الحلّ والعقد في هذا البلد سواء من السّلطة أو من رؤساء الأحزاب خصوصاً من أباطرة المال وأصحاب الدّخل المرتفع جدّاً أن يستفيقوا على واجب أهملوه وحقوقاً بطروها وعهوداً ضيّعوها تُجاه هذه المناطق المهمّشة وأن يدرجوها في أولويّات اهتماماتهم وأن يرفعوا درجة تأهبهم إلى أقصاها حتّى يوفّروا لهؤلاء - التونسيين - حياة قبل المَمات وليس بعده؟!

أليس من واجب حكوماتنا العليّة أن تبادر بتدخّلات - استباقيّة - على غرار الأمن الاستباقي حتّى تمنع الأسوأ وحتّى لا تنتظر المصائب لتعرّي كثيراً من الخور المزمن والمسكوت عنه وغير المبرمج في - مكامن الوطنيّة - التي يتقمّصها أهل الخطابة من السّياسيين ممّن يستكينون و (يتمسكنون) ويمسكون بقلوبهم عند عزف النّشيد الرّسمي .

عمق البلاد وفيافيه المتناثرة على سفوح الجبال وفي الصّحاري يتعفّفون ولا يشحذون ولكنّهم طلاّب حقّ وحياة قبل الممات، فهل يُكتب لهم أن يعيشوا حقوقهم أم عندما يموتون تلحق بهم بعض أسباب الحياة وكثيراً من دموع المتباكين في بلاتوهات الإعلام؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.