المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

هذا صلاح الدين.. فمن أنتم؟

تم النشر: تم التحديث:

الحديث عن العظماء في التاريخ حديث يشحذ الهمم ويشعر المرء بالفخر واليقين، ومن هؤلاء الأعلام وقادتها من وضع بصماته في التاريخ، فكان له الدور الكبير بعد الله عز وجل في رفعة الإسلام والمسلمين وعودة الأمة إلى عزها ومجدها سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الشرعية، أوقف زحف الصليبيين وهزمهم ورد بلاد المسلمين، لا سيما بيت المقدس، إلى حوزة المسلمين، وفي نفس الوقت قضى على الدولة الباطنية في مصر وهي الدولة الفاطمية العبيدية الرافضية، وتلك من أجلّ الأعمال في حياته، إنه الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، مؤسِّس الدولة الأيوبية في مصر والشام، فارس نبيل، وبطل شجاع، وقائد من أفضل مَنْ عَرَفتهم البشرية، وشهد بأخلاقه أعداؤُه من الصليبيين قبل أصدقائه وكاتِبي سيرته، إنه نموذج فذٌّ لشخصية عملاقة،

أن تكتب عن صلاح الدين الأيوبي فهذا أمر شاق رغم كونها تجربة رائعة في موضوعها، فربما لم يطلع قارئ عربي أو مسلم على سيرة أحد من الناس كما اطلع على سيرة الناصر صلاح الدين أيقونة الجهاد الإسلامى.. فهذه الشخصية لم تتكرر حتى الآن على الرغم من مرور مئات السنين على توقف نبضات قلب صاحبها.

لقد قرأت للشيخ الطنطاوي رحمه الله، كيف أن السلطان عبد الحميد الثاني حينما زار قبر صلاح الدين، أخذ إكليلاً من الزهور وقال: "هذا لك.. يا سيد أبطال العالم!".

مُبهر بطريقه ليس لها مثيل، كريم حتى مع ألد الأعداء، يحمل معنى الرجولة والإخلاص كما لم يحمله أحد، قائد عظيم وشخصية تميزت برصيد أخلاقي كبير من الشجاعة والكرم والوفاء والتسامح والحلم والعفو والعدل والمروءة، لم ولن يعلم التاريخ مثله، ومن الطبيعي أن يهتم المؤرخون بالقامات الكبيرة في أممهم، ومن ثم يسعون إلى الكتابة عنها، إشادة بإنجازاتها وحرصاً على تخليد ذكراها..

يقول أمين معلوف، صاحب كتاب "الحروب الصليبية كما رآها العرب": "وإذا كان صلاح الدين قد فتح القدس فما ذاك لأجل المال ولا حتى الانتقام. لقد سعى على الأخص إلى القيام بما يفرضه عليه ربه ودينه. وانتصاره أنه حرر المدينة المقدسة من نير الغزاة من غير حمام دم ولا تدمير ولا حقد، وسعادته هي أن يستطيع السجود في هذه الأمكنة التي لولاها لما استطاع مسلم أن يصلي فيها، فقد كانت حروب صلاح الدين ذات أهداف سامية وغايات رفيعة.

وعلى الرغم من كونه خصماً عنيداً للغرب المسيحي في زمن الحروب الصليبية، إلا أن اسطورته في الوعي الجمعي الأوروبي تعد مثالاً نادراً واستثنائياً، فانبهار أوروبا بصلاح الدين الأيوبي عميق الجذور، ظل نموذجاً للفارس الشهم الذي تتجسد فيه أخلاق الفروسية بالمفهوم الأوروبي، والمؤكد أن نمو أسطورة صلاح الدين قد حدثت في الغرب وليس في الشرق، وأياً كان السبب وراء شهرة صلاح الدين فمن الحق القول إنه لم يحدث أن تعلقت مخيلة الأوروبيين بشخص مسلم قدر تعلقها بصلاح الدين الأيوبي، إن تفوقه على معاصريه أقر به أعداؤه الصليبيون حتى في فترة العصور الوسطى في أوروبا.

ولكن... ما الذي جعل من صلاح الدين أكثر الزعماء المسلمين تكريماً في عيون الغرب؟

من الواضح أن صلاح الدين كان يمتلك أصدقاء حقيقيين بين الفرسان الصليبيين، وحظي باحترام كبير من قبل ريتشارد قلب الأسد وريموند صاحب طرابلس، وأن الكرم الذي أظهره عقب انتصاره في حطين قد نال من إعجاب الصليبيين، من الممكن أن كل هذه الحقائق قد تسرب إلى الصورة الأسطورية لصلاح الدين، ولكن هذا لا يفسر ما الذي جعل من صلاح الدين أسطورة في عيون الغرب، ربما لأن صلاح الدين هو من استولى على القدس، المدينة التي تشوق الغرب المسيحي لاستعادة السيطرة عليها بعد خمسة قرون من الزمن، والآن بعد انتزعوها من أيدي المسلمين بفضل جهد فوق طاقة البشر، وسيطروا عليها فترة وجيزة من الزمن عادت إلى أيدي المسلمين مرة أخرى، من المؤكد أن سقوط القدس بأيدي المسلمين أمر لم يتحمله الغرب المسيحي، وكان من الدفاع الطبيعي بالنسبة لهم التأكيد بأن الرجل الذي هزمهم لم يكن رجلاً عادياً، لقد خسروها أمام خصم استثنائي، وغالباً خارق للمألوف لا بد أن يكون وسيلة أخف وطأة لاحتمال ذل الهزيمة....

قال عنه المؤرخ الإنكليزي أميروتو: "بعد الحروب الصليبية الثانية مرت فترة لم تقم أوروبا خلالها بأي نشاط عسكري ضد المسلمين، وفي هذه الأثناء حدث أكبر حادث في تاريخ الحروب الصليبية وهو ظهور صلاح الدين الأيوبي، وبينما كان المعسكر الإسلامي يقوَى بهذا البطل كان معسكر الصليبيين ينهار، فقد كانت الإمارات اللاتينية في سوريا وفلسطين تعيش في أتعس الظروف التي يخلقها النظام الإقطاعي، ومال المحتلون إلى الدعة يوماً بعد يوم، ونسوا ما تتطلبه حياتهم كغاصبين من مهام ومسؤوليات، أما المعسكر الإسلامي فقد حصل في هذه الأثناء على مكانةٍ حققها له القائد الجديد الذي كان أعظم شخصية سياسية وعسكرية عرفها عصر الحروب الصليبية، ليس فقط في بطولته الحربية، بل في صفاته الشخصية التي تضعه في القمة بين العظماء والمصلحين في تاريخ العالم.. لقد كان صلاح الدين يعرف أهدافه الحربية، ويجيد التخطيط لها، وكان من رُعاة العلوم والمعارف، وكان مثالاً طيباً في الوفاء بالوعد والشهامة والكرم، وعلى النقيض من كفاءته ومن صفاته كان يتسم معاصروه من الحكام الصليبيين للولايات اللاتينية، الذين كانوا همجاً وبرابرة".
من ريتشارد قلب الأسد إلى صلاح الدين
من ريكاردوس قلب الأسد ملك الإنكليز "هو ريتشارد قلب الأسد"، إلى صلاح الدين الأيوبي ملك العرب، أيها المولى: حامل خطابي هذا، بطل صنديد، لاقى أبطالكم في ميادين الوغى، وأبلى في القتال البلاء الحسن. وقد وقعت أخته أسيرة، فساقها رجالكم إلى قصركم وغيروا اسمها. فقد كان اسمها ماري فأطلق عليها اسم ثريا. وإن لملك الإنكليز رجاء يتقدم به إلى ملك العرب، وهو إما أن تعيدوا إلى الأخ أخته، وإما أن تحتفظوا به أسيراً معها، لا تفرقوا بينهما، ولا تحكموا على عصفور أن يعيش بعيداً عن أليفه. وفيما أنا بانتظار قراركم بهذا الشأن، أذكركم بقول الخليفة عمر بن الخطاب، وقد سمعته من صديقي الأمير حارث اللبناني وهو "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، فكان جواب السلطان الناصر صلاح الدين: من سلطان المسلمين صلاح الدين إلى ريكاردوس ملك الإنكليز أيها المولى: صافحت البطل الباسل الذي أوفدتموه رسولاً إلي، فليحمل إليكم المصافحة ممن عرف قدركم في ميادين القتال. وإني لأحب أن تعلموا، بأنني لن أحتفظ بالأخ أسيراً مع أخته، لأننا لا نبقى في بيوتنا إلا أسلاب المعارك. لقد أعدنا للأخ أخته. وإذا عمل صلاح الدين بقول عمر بن الخطاب، فلكي يعمل ريكاردوس بقول عيسى: فرد أيها المولى الأرض التي اغتصبتها إلى أصحابها، عملاً بوصية السيد المسيح عليه السلام..

كانت العلاقة بين صلاح الدين الأيوبي وريتشارد مثالاً للفروسية والاحترام المتبادلين؛ رغم الخصومة العسكرية، فحين مرض ريتشارد بالحمى أرسل إليه صلاح الدين طبيبه الخاص، كما أرسل إليه فاكهة طازجة وثلجاً لتبريد الشراب، وعندما فقد ريتشارد جواده في أرسوف أرسل إليه صلاح الدين اثنين، ومن المعروف أن صلاح الدين وريتشارد لم يلتقيا أبداً وجهاً لوجه، وكان التواصل بينهما بالكتابة أو بالرسل...

يقول المؤرخ الإنكليزي مالكم كاميرون بأن "صلاح الدين هو بحق نابليون كردي وكان قائداً لا يقل عن نابليون في الجدارة والطموح لقيادة العالم الشرقي"
خلال الحقبةٍ التاريخيّةٍ الممتدة من ( 1096- 1291م) كان العنف الدموي يسيطر على مشهدها العام وهي ماعرفت فيما بعد بفترة "الحروب الصليبية" التي امتدت مائتي عامٍ، كان الصدام بين الغرب الغازي والعالم الإسلامي في أوجه، وفيه أُبيد سكانُ مدنٍ بأسرها وارتُكبت فظاعاتٌ بحق المدنيّين، حيث وصل الأمر إلى درجة أكل لحم الوثنيّين "المسلمين" من قبل بعض الغزاة المتعصبين وهو ما ذكره المؤرخ الفرنسي "راول دي كين" المرافق للحملات الصليبية، مما أنتج ردّة فعلٍ عنيفة من المسلمين عندما كانت ترجح كفتهم بعد معركةٍ ما، في هذا الجو المشحون بالكره والحقد والتفنّن بالقتل من قِبَل الطرفين، وإن كان بمستوياتٍ متفاوتة بينهما، تظهر شخصية سمحة تدعى صلاح الدّين الأيّوبي، وتتفوّق على كلّ القادة الذين كانوا يحكمون المنطقة آنذاك، بمعاملته الحسنة للمغلوب، فهو الذي سمح للفرنجة بالخروج من القدس سالمين بأموالهم وأرزاقهم ضامناً حقّهم بالعودة للحجّ فيها وقتما شاءوا، وبإمكانكم أن تتصوّروا مشهد بطريرك القدس وهو يخرج من المدينة جارّاً خلفه قافلة من الذهب دون أن يتعرض له أحد...

إن استقراء التاريخ أمر ضروري، نعم، لقد كان صلاح الدين عبقرية فذة، وصاحب مشروع حضاري ويمكننا الاستدلال على ذلك من خلال ما يلي:

1- عدم حصر جوهر الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب الصليبي وفق النظرة الدينية فحسب، لذلك نرى اشتراك غير المسلمين أيضاً في حروبه ضد الصليبيين، وذلك يدل على كون الصراع حضارياً. وإن صلاح الدين قد اعتمد مبدأ التوازن الاستراتيجي مع الغرب فسخر كل الإمكانيات في سبيل ذلك وحشد كل الجهود لإحراز النصر.

2- براغماتية صلاح الدين وتغليبه مبدأ المصلحة العليا، وابتعاده عن الأنانية والسطوة، وحب الاستحواذ كما كان معروفاً عنه عدم لجوئه إلى القتل والدموية وسفك الدماء حتى إن أحد الكتاب الأوربيين المشهورين "ألبير شاندور" ألف كتاباً سماه "صلاح الدين الأيوبي - البطل الأنقى في الإسلام".
3- ولعه واهتمامه بإنجاز نهضة علمية وعمرانية واسعة، فقد بنى المدارس والبيمارستانات ودور العلم الديني والدنيوي.

إن محاولات التشكيك وعدم الاعتزاز والنيل من قائد مثل صلاح الدين الأيوبي ما هو إلا نيل من عقيدته لا من شخصه، ويبدو أن صاحب "عزازيل" و"النبطي" قد أصيب بـ"جنون العظمة" وما تفوه به عن شخص صلاح الدين ليس له محل من الإعراب؛ إذ يحسب على آراء العوام من الناس وللعوام فيما يقولون مذاهب، ولكن ليس له الحق في أن استعمال كلمات بذيئة بحق شخصية عظيمة وما بذاءاته وإساءاته تلك إلا لكي يلحق بغبار أحذية جند صلاح الدين... ويبدو بالفعل أن صلاح الدين الأيوبي لا يستحق أن يكتب فيه إلا الكبار، أما الصغار فلينشغلوا بما يناسب مستواهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.