المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

اختراع العزلة؟

تم النشر: تم التحديث:

يقول ابن الجوزي: "فيا للعزلة ما ألذها سلمت من كدر الغيبة، وآفات تصنع وأحوال المداجاة وتضييع الوقت. ثم خلا فيها القلب والفكر؛ لأنه مستلذ عنه بالمخالطة فدبر أمر دنياه وآخرته".

ما العزلة؟

العزلة في اللغة تعني الابتعاد عن الآخرين، والانقطاع عن العالم، أو اعتزال الناس والابتعاد عنهم، والاختلاء في مكان بعيد، وهو معنى قريب من الخلوة التي تعني المكان الذي ينفرد فيه الشخص بنفسه، ويمكث فيه وحده، وهي وفق هذا المعنى تحمل دلالات إيجابية كالتأمل والإنتاج ومراجعة الذات والانطلاق من جديد.. بخلاف مفهوم الانطواء الذي يحمل دلالات سلبية، كالعزوف عن الحياة الاجتماعية وقطع الصلة بالآخرين، أو ضعفها، وقلة اهتمامه بمشكلاتهم، وعدم الاكتراث بمشاركتهم أنشطتهم.

العزلة أن تكون أنت، أنت بلا أي قناع، أن تعي ذاتك فتصل إلى نواة روحك تتلمسها وتتلمسك ويدرك أحدكما الآخر، ليست العزلة أن تكون وحدك في المكان، العزلة أن تكون وحدك داخلك، وكل ما هو خارجي لا يهم، أن تجلس في ازدحام المكان من حولك، ورغم ذلك تكون أنت وحدك منعزلاً عن المكان، إنها الحقيقة الأكثر عمقاً في الطبيعة البشرية، كون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه وحيد، وهو الوحيد الذي يبحث عن غيره، إنها العامل المؤسس للوعي بالذات والوعي بالعالم والآخر من خلال ملاحظته وتأمله وأخذ مسافة منه،

وبالتجرد من كل الأحكام المعيارية والذاتية.
إنها دار تأمل، وبيت من بيوت الصمت، أعظم ما تشعر به فيها هو هذا الهدوء الذي يحوم حولك مثلما هو خيَّم في داخلك، صمت وأفكار عجيبة، وكأن عقلك كأس فارغة يحوم فيها الهواء، حتى القراءة في هذه الفترة تختلف.. قراءة لا يتخللها تفكير ولا هواجس ولا ملهيات، قراءة صامتة لا تميل إلى البحث، بل إلى الهدوء، فهي تحررك من كل ارتباط خارجي للذات، أتذكر فكرة أعجبتني أطلق عليها صاحبها "الغرفة الذهنية"، غرفة وهمية تنشئها في رأسك، تضع فيها الأثاث الذي تريد، بإمكانك أن تختار عطراً تفوح منه الرائحة التي تعشق.. تستخدم حواسك ولكن ذهنياً.

أستطيع القول إن العزلة عرفتني قبل أن أعرفها، وإلى الآن ما زالت العزلة معي صديقة تباغتني بقدومها من دون سابق خبر؛ بل إن ذاتي تجد حالها مطواعة منقادة لها، مثل كثير من الأمور في حياتي قامت بالتعريف بحالها قبل أن أفهم، ولعل هذا جزء من حياة الإنسان، أنه لا يفهم كل ما يحدث له؛ بل يكتشف نفسه من ماضيه، ويُصبح المكتشف معروفاً ومفهوماً بل وصديقاً.

ليست العزلة إحساس الإنسان بوحدته ومعرفته بها، وانفصاله عن العالم واغترابه عن ذاته، فكل الناس، في لحظات معينة من حياتهم، يشعرون بالعزلة؛ بل أكثر من ذلك كل الناس في عزلة.

إن الحياة هي انفصال عما كُنّا عليه؛ لكي نلج إلى ما سوف نصيره، وهو مستقبل غريب على الدوام، فالعزلة هي أساس الوضعية الإنسانية، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشعر بأنه في عزلة، وهو الكائن الوحيد الذي يمثل بحثاً عن الغير. إن طبيعته إذا كان من الممكن الحديث عن طبيعة خاصة بالإنسان، وهو الكائن، على وجه الدقة، الذي أبدع ذاته بنفيه للطبيعة، تكمن في السعي إلى التحقق في الغير، فالإنسان يحن إلى المشاركة، ويبحث عنها؛ لهذا فهو كلما شعر بذاته، شعر بها كحاجة إلى الغير، وكعزلة.

ولكن.. هل في العزلة نعي ذواتنا؟

الكاتب الأميركي بول أوستر يقول إن الكتابة تأتي من إحساس شديد بالوحدة وإحساس بالعزلة، فقد اختار أن يخترع لنفسه عزلة من نوع خاص، فبعد رحيل والده أصبحت الوحدة في حياته حقيقية، فعل دافع للكتابة يدفعه لمحاولة التذكر والعودة للماضي، مما دفعه إلى محاولة اختراع للعزلة كي تكون كتابة لسيرة حياته في كتاب بعنوان "اختراع العزلة"، لقد فوجئ برد فعله إزاء رحيل الأب الذي كان كتلة لا يمكن اختراقها، لم يبكِ؛ بل خاف وشعر برغبة في الكتابة عن رجل هو سام أوستر، شاهد أمه تقتل والده في المطبخ، فعاش حياته وهو يحبس هذه الحادثة في صدره دون أن يتفوه بها لأحد،

عاش "بول" مع أب غريب وغامض، تكتنفه الأسرار ويحيط نفسه بأسوار وأحاج كثيرة، ولم يرد إلى ذهن الابن أنه لن يتمكن من معرفة والده إلا بعد وفاته؛ ليغوص في تاريخ العائلة غريبة الأطوار، التي عاش أفرادها متوحدين ومنغلقين على أنفسهم، يخافون العالم الخارجي، ويركنون إلى العزلة والتوحد؛ ليكتشف تفاصيل ما حدث لوالده، والآثار التي كان عليه تحملها، ويحاول العثور على منبع كل طباع والده الغريبة وتفسيرها.

لقد لخص بول أوستر فلسفة العزلة في المقولة التالية: "يعتقد كثير من الناس أن العزلة ظاهرة سلبية، أما أنا فلا أنظر إليها من زاوية سلبية، الحياة الحقيقية هي تلك التي نختزنها في دواخلنا، صحيح أننا نعيش بمفردنا، لكن، في الوقت نفسه، لسنا سوى نتاج الآخرين".

والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج لأن يكون راهباً أو ناسكاً كي يجد العزلة ويستمتع بها ويكتشف منافعها، وهناك من يرى أن العزلة، خصوصاً في أيامنا هذه كونها ضرورة، فهي تنتشلنا وتعيدنا إلى ذواتنا الحقيقية لبعض الوقت، وفي العزلة فقط يمكن أن نجد الاستنارة الروحية، ونكتشف قيمة الصمت، ونستلهم أعظم الأفكار وأعمقها.

لن أتحدث عن العزلة كما يتحدث عنها المتصوفة باعتبـارهـا الخلاص، ولن أتحدث على أنها اضطراب نفسي يلجأ إليه مريض ما هرباً وخشية، سأتحدث عن العزلة بصفتها أحد أوجه الحياة التي تساعد الإنسان بصورة مباشرة في فهم نفسه، وأقف عند عبارة "الإنسان اجتماعي بطبعه"، وكون الإنسان اجتماعياً ويعَظِّم من شأن العزلة فلا تناقض بين الأمرين، فالإنسان يألف ويؤلف، والمجتمع ليس إلا الجزء الخارجي الذي يطلب الغذاء من الآخرين، بينما العزلة اجتماع، ولكن مع الذات. وإن كنا نقول بأن للذات عالمين: عالماً خارجياً، وعالماً داخلياً، فإهمال أحدهما يدمر الآخر؛ لذلك لأقول بدل تلك العبارة الفلسفية بأن الإنسان اجتماعي بطبعه، ولكنه ينزع إلى العزلة مع نفسه، كثرة الاختلاط بالناس مرض، وكثرة العزلة مرض.

يقول باولو كويلو: "طوبى لمن لا يخشون العزلة"، فالعزلة تبدو في ظاهرها مخيفة، لكن ما إن تنعزل حتى تسمع ما وراء الضجيج، وترى ما وراء ما تعرفه عن نفسك؛ لتتعرف على ما هو مستودع فيك، فالعزلة تعطيك المساحة لتكتشف نفسك وتتعرف إلى قدراتك المخبأة، حين تنعزل عن ضجيج الحياة بالتأمل والانفراد كلياً بذاتك يتكشف أمامك اتساع الحياة، بعد أن كانت ضيقة ومتحورة حول أمر واحد، كأن تقود نفسك لتفهم ردود فعلك، ثم تقف أمام نفسك ليس لتوبيخها؛ بل لاكتشاف الحياة التي لم تكتشفها بعد فيك، فمن لم ينفرد بنفسه لن يعرفها، ثمة عالم شاسع يستتر في أرواحنا.

أما الكاتب الأميركي أرنست همنغواي فيقول إن الكتابة، في أجمل حالاتها، هي حياة في العزلة، حياة الجماعة تلطّف وحدة الكاتب، لكنها لا تمنحه شيئاً لتطوير أدواته، يتماهى مع الحياة العلنية التي يريق من خلالها وحدته، لكنه في المقابل يعرّض فنَّه للتلف؛ لأنه حين يكتب لن يكتب إلا وحده، وعليه إن كان كاتباً جيداً أن يواجه الخلود أو التجرّد من الخلود، في كل يوم من أيام حياته.

إن العزلة هي أن تكون في الجمع وحيداً، وفي وحدتك كل الوجود.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.