المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

الهوية الحائرة.. تغريبة "الحسن الوزان" أو "ليون الإفريقي"

تم النشر: تم التحديث:

"ليون الإفريقي" أو "الحسن بن محمد الوزان" دبلوماسي عبقري بكامل تعقيد ظروفه الإنسانية والاجتماعية والسياسية وشخصية جدلية، شخصية إشكالية، في تاريخها فجوة غير معروفة التفاصيل بدقة، أثارت مشاعر متناقضة من الحب والإعجاب، شخصية عربية على درجة مهمة من الثقافة العابرة للحضارات، من المعيب أن تبقى حبيسة أقبية التاريخ حتى يأتي المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون؛ ليبعثه من جديد، بعد دراسته لكتاب ليون "وصف إفريقيا"؛ ليأتي أمين معلوف من جديد الذي يذهب إلى التاريخ ويعود في رحلات منتظمة، وجولات ساحرة، نبيلة الغايات،

وعبر هذه الرواية الشيقة ليعيد الحياة لرحالة عرف في أوروبا، ولم يعرف في عالمنا العربي والإسلامي، بشكل انطباعي إلى حد ما ورومانسي بالتركيز على حياته الشخصية وحياته الخاصة، انطلاقاً من الأزمنة والأمكنة التي زارها وعايشها، وعن سبب اختياره لـ"ليون الإفريقي" موضوعاً لروايته يقول:

إنني اخترته؛ لأنه شخصية منسية إلى حد ما، وأنا أعتبر أنه ينتمي إلى التاريخ الذي أنتمي إليه أنا، ولذا فإنني أشعر بأن هناك صلة روحية بيني وبينه، فمن الضروري إضاءة حياة رموز في حضارتنا عرفت بالانفتاح واشتهرت بالمغامرة والتوثب،

والطموح إلى كشف المجهول والغامض، وكانت جسوراً بين حضارات مختلفة مثلما كان ليون الإفريقي، وصار رمزاً للحوار والتفاعل الحضاري بين الشرق والغرب؛ كون الشخصية الروائية بنيت لتكون متسامحة، فـ"ليون" لم يعانِ من صراع داخلي بين هوياته العرقية والدينية، رغم طبيعة الظروف التاريخية التي شهدها والحياة التي عاشها، وهنا لم يبد الكاتب مقنعاً حين تحول "ليون" إلى المسيحية، فالتحول الديني تحول مفصلي، من الطبيعي أن يثير إشكاليات داخل النفس البشرية، ولكن الكاتب عرض له وكأنه تصرف طبيعي.

الحسن بن محمد الوزان رحَّالة مشهور عُرف باسم "ليون الإفريقي"، ذاع صيته بعد صدور رواية "ليون الإفريقي"، واعتقدت أن معلوف هو الذي اكتشف هذه الشخصية وحياته الأسطورية وتنقلاته العجيبة، وُلد بمدينة غرناطة وانتقلت أسرته إلى مدينة فاس، عمل بعد ذلك لدى السلطان محمد الوطاسي، المعروف بالبرتغالي، الذي قربه إليه وأصبح من سفرائه؛ مما جعله يكتسب معرفة كبيرة ببلاد المغرب وإفريقيا وبعض البلدان الشرقية والأوروبية، وهو ما شجعه على كتابة مؤلفه "وصف إفريقيا"،

وأثناء عودته في سنة 1519 من إحدى رحلاته وقع أسيراً في يد قراصنة صقليين قدموه للبابا جون ليون العاشر بمدينة نابولي الإيطالية؛ حيث تم تنصيره وتسميته بـ"ليون الإفريقي" أو "يوحنا الأسد الغرناطي"؛ حيث اندمج في أوساط المجتمع والمثقفين الإيطاليين، ونسج علاقات صداقة ومودة مع كبار الرسامين الإيطاليين الذين تعرف إليهم، واستطاع أن يخلد وجوده الملتبس.

ولما كانت اللغة العربية تعني الحضارة كلها، فقد كلف بتدريس اللغة العربية لرجال الكنيسة؛ لأنها كانت تعني أن مَن يدرس لغة العرب، إنما ينقل إلى لغة قومه وفكرهم تراث مئات السنين من المعارف الفلسفية والعلمية والأدبية والجغرافية والتاريخية.. وبهذا، تمكّن حسن الوزان من أن يساهم -وإن كان تحت اسم "ليون الإفريقي"- في بعث نهضة فكرية في تلك الديار.. اختفى من روما في ظروف غامضة حوالي عام 1550م ورحل إلى تونس ليعود إلى إسلامه، ومن ثم انقطعت أخباره فلا يعرف أعادَ إلى بلاده أم بقي في تونس، ويرجح أنه توفي في نفس السنة.

تبدأ الرواية من غرناطة، وتحديداً عام 1488، قبل سنوات من سقوط غرناطة وطرد آخر الحكام المسلمين منها، متنقلاً بين ممالك تسقط وإمبراطوريات تبزغ، بين شموس تغرب وأخرى تشرق، بين غرناطة الضائعة وفاس الحائرة، وتمبوكتو المحترقة، والقاهرة ومكة وتونس والقسطنطينية وروما، عوالم تجول فيها الوزان الذي انتهى به المطاف لكي يصبح "ليون" عند البابا في روما بعد أسره من القراصنة، دونما وعي منك تشدك أحداث بحبل من الحنين الآسر، تعجب ببطلها حتى تضاءلت كل الشخص إلى جانبه، وأنت تتلمس خيوط الرواية يأخذك معلوف معه إلى غرناطة مسقط رأس الوزان،

فيبعث فيك مشاعر الانكسار والأسى، ثم إلى فاس حيث تشهد أحط مظاهر الانحطاط والخسة، وأنت ترى الذين أنهكتهم محاكم التفتيش يجدون من يتاجر بأوجاعهم في هذه المدينة التي يباع فيها كل شيء، وكلما سافرت مع هذا الرجل تتضح الصورة أكثر فأكثر، فتشهد أحوال غرب إفريقيا وممالكها الإسلامية، ثم يأخذك إلى القاهرة في أحلك أوقاتها، صراع الإخوة الأعداء، صعود العثمانيين ومذبحة القاهرة سنة 1517م، ستعرف مَن الخائن ومَن السفاح، مَن كان رجلاً ومَن لبس قناع الرجولة ولما صعد السلم قذف به بعيداً إلى البحر،

وفي ذروة تصاعد الأحداث تجد نفسك في القمة (روما)، مدينة عاصمة البابا؛ حيث يجد بطل الرواية نفسه دون إرادة منه، ساقته الأقدار إليها بعد رحلة اختطاف عسيرة، لقد عُمّد على يدي ليون العاشر بابا روما، وأصبح ليون الإفريقي من أسرة آل ميديتشي، وهناك في روما حيث كانت تصنع مصائر الناس وجد نفسه ممن يصنعون تاريخ أوروبا، فشهد صراعات الكنيسة وشارلكان إمبراطور إسبانيا الطامح، ويحاول عبر دبلوماسية الحلول الممكنة إنقاذ البابوية وآل ميديتشي؛ ليجد نفسه في وضع غريب، فهو يسمع بانتصارات السلطان سليمان القانوني في شرق أوروبا، أيفرح بما يفعله أبناء أمته القديمة؟ أم يأسى على حال أبناء دينه الجديد؟

ثم تبرز حركة الإصلاح الديني من ألمانيا، مارتن لوثر ينتقد الكنيسة والبابا ثم ما يلبث أن يزلزل الأرض تحت أقدام البابا وزعامته، وتسقط روما مرة أخرى هذه المرة على يد شارلكان ومرتزقته المشبعين بفكر لوثر المحتج، وهنا ينجو صاحبنا مرة أخرى من الإعصار، ينجو كما كان يحدث دائماً فقد كان في قلب الأحداث في كل مرة، في غرناطة.. في فاس.. في قلب القاهرة ثم روما التي أعطته اسمها وسلطتها وعنجهيتها، ويعود ليون بعدها إلى العش الذي انطلق منه قبل أربعين سنة، ليس معه سوى بقايا مجد صنعه ذات يوم في كل مكان مما وطئته قدماه من العالم.

وما أن تنتهي صفحات هذه الرواية حتى ترى كل الأحداث التي قرأتها أو عشتها في سطورها، ماثلة أمامك، تحس بها وتكاد تتلمس خيوطها بين أناملك: تاريخ أوروبا وآسيا وإفريقيا كله بين يديك، مجسّداً في شخصية رجل واحد، كل ما في الأمر أن أمين معلوف عرف كيف يكتب التاريخ في عذوبة وسلاسة، دون أن يعبث بقدسية تاريخية مزعومة، ولا أن ينحني أمام سطوة التاريخ الرسمي المفروض.

أربعون عاماً من المغامرة ما بين غرناطة وفاس تمبكتو والقاهرة وإسطنبول وروما وفرنسا وغيرها من المدن والأمصار التي جابَها يتكلم كل اللغات، ويمارس كل المعتقدات، ويشرب من جميع المشارب، صال وجال وسافر وفي كل مرة ينجو من مخاطر المغامرة في غياهب القرون الوسطى؛ لتنتهي الرواية والحسن يخاطب ابنه في طريق العودة: "مرة جديدة يا بني يحملني هذا البحر الشاهد على جميع أحوال التيه التي قاسيت منها، وهو الذي يحملك اليوم إلى منفاك الأول. لقد كنتَ في روما "ابن الإفريقي"، وسوف تكون في إفريقيا "ابن الرومي"، وأينما كنت فسيرغب بعضهم في التعقب في جلدك وصلواتك. فاحذر أن تدغدغ غريزتهم يا بني، وحاذر أن ترضخ لوطأة الجمهور!

فمسلماً كنت أو يهودياً أو نصرانياً عليهم أن يرتضوك كما أنت، أو أن يفقدوك. وعندما يلوح لك ضيق عقول الناس فقل لنفسك أرض الله واسعة، رحبة هي يداه وقلبه، ولا تتردد قط في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار، إلى ما وراء جميع التخوم والأوطان والمعتقدات. أما أنا فقد بلغت نهاية رحلتي.. إلى ذلك المثوى الأخير الذي لا يحس فيه أحد قط بالغربة أمام وجه الخالق".

الرواية بلا شك مذهلة، ويبدو لي أنني وصلت في نهايتها إلى فكرة ربما يكون أمين معلوف حاول بذرها من خلالها، وهي مسألة التعايش مع الآخر، التي أصبحت ضرورية وملحّة في ظل الهويات المركبة في أغلب البلدان العربية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.