المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

بوصلة السماء

تم النشر: تم التحديث:

"هناك لحظات يرفض فيها العقل البشري أن يعترف بأكثر الحقائق بداهة..".

انتهت الصفحات الـ562، وبقيت أتفكر في العِبَر التي جاءت بها الرواية.. رواية مسرحية، جرت أحداثها في إسبانيا زمن سقوط الأندلس وهزيمة المسلمين، يحاول الروائي، ومن خلال قراءة التاريخ في هذه الفترة استرجاعها بحس ومخيلة الروائيين،

مستعرضاً أحداث محاكم التفتيش والمجازر والمحارق التي أبيد فيها العرب والمسلمون وحتى اليهود، من خلال ثلاثة رجال وامرأة، فيما المفتش الإسباني يراقبهم من بعيد، خوفاً من هذا اللوح الأزرق أن يؤكد ديناً آخر غير المسيحية فتسقط دولة محاكم التفتيش.

فالرواية لفترة كانت الأشد مرارة؛ حيث سقطت الدولة الإسلامية في الأندلس، وغرناطة صارت قاب قوسين أو أدنى من الضياع، كما ظهرت محاكم التفتيش في إسبانيا، ونقض ملوكها عهودهم باحترام باقي الأديان، أما حملات التنصير فعلى أوجها، تدعمها الكنيسة والملكان فرديناند وإيزابيلا.

الرواية مدهشة، مليئة بعبقرية لا تصدق، طوال قراءتها وأنا أتساءل عن قدرة الكاتب على التخيل، فرمزيتها هائلة، كتبت بأسلوب مختلف، النص محكم، أسلوب بديع في السرد رائع في وصفه لبعض الأحداث يجعلك تتلمسها كما لو أنك تعيشها، رغم أنه يخوض في منطقة شائكة، وهي اجتماع الثلاث ديانات، بالإضافة إلى فترة تاريخية جدلية في نهاية الدولة الإسلامية في الأندلس،

لا يمكننا إنكار توفيقه وموضوعيته في سرد الوقائع أو الحقائق بأسلوب ممتع، خاصة مع كم المعلومات عن تأريخ للديانات الثلاث، كمّ كبير ومثير للإعجاب من المعلومات في مجال مقارنة الأديان بدا واضحاً في أحداث الرواية وحوار الشخصيات مع بعضها البعض والنقاشات العقدية فيما بينها كانت ممتعة، تمكن الكاتب من خلالها سبر أغوار النفس البشرية وتقلباتها في شخوص عبقرية تارة،

ومجنونة تارة أخرى، ومن الجميل أن تقرأ عن هذه الفترة من آخرين غير العرب، هناك مشاهد سينمائية في طريقة كتابتها مثل وصفة للراقصة ثم حمى الرقص وسط الغناء والموسيقى، بالإضافة إلى مشهد النهاية، وإن كانت غير واقعية، لكنه كان رائعاً في طريقة إبراز النص، تحمل رسالة سامية نحن بأمَسّ الحاجة إليها، التعايش الديني والبعد عن التعصب.

منذ البداية يؤكد المؤلف أن شخصيات الرواية خيالية، رغم أنه ربطها بالتاريخ، فنحن في عهد الملكَين فرديناند وإيزابيلا وبداية محاكم التفتيش في إسبانيا وسقوط الدولة الإسلامية.. أبطال القصة هم عزرا (اليهودي المسن)، وابن سراج (المسلم الكهل)، والراهب المسيحي الشاب (رفائيل)، و"مانويلا" صديقة الملكة التي رافقتهم لمعرفة ماهية هذا الكتاب الأزرق الذي سيخبر الجميع عن أي الأديان السماوية هو الصواب.. تصلهم مجموعة ألغاز متفرقة من صديق (يهودي) مشترك كان قد مات في إحدى محارق محاكم التفتيش، نسج هذا (اليهودي) مجموعة ألغازه بشكل متقن جداً، يبدأ أول حلوله باجتماع الثلاثة واضطرارهم إلى الارتحال معاً في أراضي الأندلس، وتصل الألغاز بهم في النهاية إلى اللوح الأزرق الذي هو عنوان الرواية.

الرواية مليئة برموز يهودية ومسيحية وإسلامية أيضاً، لم أكن أتوقع أن أجد كاتباً غربياً يكتب عن (اليهودية، والمسيحية، والإسلام) دون الانحياز بشكل واضح في النص لأحد هذه الأديان، رغم أن الرموز اليهودية أعلى من البقية لسبب ما، كما أظهر شخصية (الحَبر) بأنه أنقى الموجودين، إلا أنه حاول قدر الإمكان الابتعاد عن التصنيف، وترك هذا التصنيف للقراء!!

شخصيات الرواية محبوكة بشكل رائع، ظهرت كل شخصية بشكل مميز ومختلف عن الآخر، فضلاً عن أن إحدى الشخصيات ظهرت بذكاء لافت في التحقيق والاستنتاج وتوقع ردات الفعل.

الرواية تذكرنا بـ"شفرة دافنشي" لدان براون بما تحمله من معلومات كانت سبباً في محاربة الكنيسة للرواية، إلا أن المؤلف في "اللوح الأزرق" لم يتعرض لأي من الأديان، بطل الرواية الرئيسي هو اليهودي "ابن برول" الذي حكم عليه بالموت حرقاً؛ لأنه احتفظ بدينه وجمع ثلاثة ممن تربطه بهم علاقات خاصة بطريقة مبدعة؛ ليبحثوا عن اللوح الأزرق للوصول إلى إجابة عن السؤال عن أي الأديان أولى بالاتباع، الرواية تجمع بين الديانات الثلاث، وتدعو إلى الحوار بين الأديان بأسلوب شيق، وتتطرق في كثير من فصولها إلى نقاشات بين الأشخاص الثلاثة: اليهودي، والمسلم، والمسيحي عن أفضل الأديان وأصحها وتحصل بينهم جدالات ممتعة غالباً ما تنتهي بصحة ما يطرحه المسلم من أدلة.

تقع أحداث الرواية في 562 صفحة عن كتاب ولد في فجر الزمان لم يذكر في الأديان الثلاثة عن نص رباني خفي، وعلى الأشخاص الثلاثة المختارين من قِبل بطل الرواية (ابن برول اليهودي) التعاون في حل اللغز، الذي هو مزيج من آيات قرآنية وإنجيلية وتوراتية، للوصول إلى مكانه الآمن خاتماً رسالته إلى الأشخاص الثلاثة بهذه العبارة "سأرحل عن هذا العالم".. وقد دونت في رسالتي مجموعة من الإشارات والعلامات.. إنها خريطة صممتها في شكل نصوص، وإذا فككت هذه الشفرات ستجد الكتاب بعد نجاحهم في حل الألغاز من خلال رحلة طويلة تضمنت مشاق ومخاطر،

حرص كل منهم على إمساك اللوح بيديه، جاء الدور في الأول على اليهودي الذي تراءى له نص مكتوب بحروف ذهبية من التوراة، ثم اختفت الكلمات؛ ليستعيد اللوح المسلم الذي ظهرت له آيات من سورة البقرة، ثم تلاشت الزرقة وعاد اللوح إلى هيئته الأولى، وعندما أمسكه النصراني ظهرت على سطحه أسطر من الإنجيل وبعدها تلاشت الزرقة شيئاً فشيئاً ولم يستعِد اللوح هيئته الأولى؛ بل تحوّل إلى حمرة ثمّ أخذ يتلاشى حتى تحول فجأة إلى غبار، نهاية تهدف إلى القول بأن البشر مغرورون وعابثون ومجانين وغير متسامحين، وأن الأديان إنما جاءت من أجل البشرية جمعاء وفيها دعوة لفكرة التعايش بين الأديان الثلاثة؟

الرواية ليست تاريخية، لكنها وظفت التاريخ لخدمة فكرة معاصرة، فكرة تعد مطلباً مُلحاً في عصرنا هذا، وحدة الأديان وتلاحمها، وحدة روحية خالية من شوائب السياسة، إن مجرد التفكير باحتمال وجود نص رباني خفي، كما في "اللوح الأزرق"، أو "كتاب السفير"، من شأنه إثارة الشكوك لدى الحكام الذين يتسلطون على الناس وينصبون لهم المشانق والمحارق، "تصور، تصور للحظة واحدة أن هذا الكتاب موجود، وتصور أنه يتضمن حقاً رسالة من الرب إلى البشرية، عندئذ سنكون أمام أصعب الخيارات على الإطلاق، إما أن تدعم تلك الرسالة تفوق المسيحية،

وإما أن تغلب عليها الإسلام أو اليهودية، ولو صحت الفرضية الثانية -لا قدر الرب- لكان ذلك إيذاناً بهلاكنا وهلاك إسبانيا"، هذا الشك الذي راود السياسي في قلب الأحداث، قد يكون جوهر العمل وفكرته، إنه الشك الذي يساور جميع البشر منذ أن عرف فكرة الآخرة والجنة والنار.. ماذا لو اكتشفنا أن الأمر مختلف؟

تنفست الصعداء حين أنهيتها، حتماً ستختلف مع الكاتب أحياناً كثيرة إلا أن سعة اطلاعه ومعارفه ستبهرك، الخلاصة.. رواية تزج بك إلى المعرفة زجاً.. هدف "سينويه" من الرواية على الرغم من أنه موضوع شائك فإنه جميل "التسامح بين الأديان هو الطريق الأوحد لسلام العالم"، كما أنه من خلال الشك في حقائق الأشياء يطرح قضية جدلية واسعة ويفتح باباً للتفكر: ماذا لو كانت الحقيقة غير ما نعرف؟

أعتقد أن غيلبرت سينويه أبدع في هذه الرواية، وحاول قدر الإمكان أن يكون حيادياً، وأن يبتعد عن التحيز لأي من الأديان الثلاثة، وألا يبرز طرفاً على طرف، أو يميل لجهة عن جهة، وربما نجح في ذلك إلى حد كبير؛ ليخرج لنا بهذه الرواية التي تحمل بين ثناياها وتعيش تاريخاً جميلاً وواقعاً ومستقبلاً نحلم به.

حين بدأت القراءة اعتقدت أن الرواية ستأخذ مني وقتاً طويلاً، ولكنني فوجئت بأنني أنهيتها في وقت قياسي.. وضعت نفسي أمام شغف لا ينتهي، ما إن تبدأ صفحة حتى تتشوق لمعرفة محتوى ما يليها من صفحات، تسمَّرت في مكاني حين أنهيتها لشدة تأثري بأحداثها.

باختصار.. الرواية تستحق القراءة، مشوقة وروحها طيبة، تحاول مد الجسور الروحية والثقافية والاجتماعية بين الأديان السماوية الثلاثة، من خلال التماهي والذوبان للشخصيات الثلاث مع بعضها، رغم وجود تنافر مزاجي سطحي سرعان ما يختفي ويزول، فيرجعون إلى غاية رحلتهم، البحث عن التسامح والغفران، كما أن الترجمة المتقنة للتونسي آدم فتحي جعلت الرواية سلسة ومقروءة تسحر الألباب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.