المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

هل الأسطورة هي الخرافة؟!

تم النشر: تم التحديث:

تشكل الأسطورة المغامرة الإبداعية الأولى التي ابتكرتها المخيلة البشرية، فهي نشأت مع نشوء الإنسان، وما من أمة إلا ولها أساطيرها، وحقيقة الأسطورة أنها علوم عصرها حين عاش الإنسان حياة بدائية محاطة بمئات الأخطار والأسرار، فرغم أنها حكاية تاريخية تنطوي على الخيال، وقصة مجازية أو رمزية ترجع إلى فلسفة عصرها، تتضمن أحداثاً خارقة للطبيعة تجمع بين الفكر والخيال والوجدان، وتتميز بعمقها الفلسفي الذي يميزها عن الحكاية الشعبية، كونها تتولد من وقائع تاريخية احتفظت بها الذاكرة البشرية لفترة طويلة قبل أن يكتشف الإنسان الكتابة، وتشكّل حيّزاً زمانياً ومكانياً في تاريخ الحضارات الإنسانية المتعاقبة والمتزامنة، فهي تشكل نوعاً من التدوين البدائي للتاريخ.


فمنذ نشأة البشر على الأرض كان الصراع ما بين عقل الإنسان وقلبه، صراعاً أكد تفوق القلب على العقل الذي بقي دوره محصوراً بالالتزامات المعيشية، التزامات جعلته ملزماً بتطوير حياته المادية عن طريق استخدام عقله دون الولوج في الروح أو القلب منعاً للتصادم بينهما.

ومع مرور الزمن وتطور العقل، حاول الإنسان فك طلاسم هذا الكون، فأخذت عملية البناء العاطفي والقلبي تنتقل إلى رأسه؛ لتمتزج مع العقل، ولتحكي قصصاً وأساطير من نسج خياله الواسع، في محاولة لشرح أو الإجابة على تساؤلاته، وإقناع نفسه بهذه التخيلات، من دون الرجوع إلى أي دلائل مادية عقلانية ملموسة؛ حيث التف القلب على العقل للترويج لما يمليه عليه قلبه، فكانت الحكايات والقصص والأساطير قد أخذت من الإنسان اهتماماته ونقلته نقلة نوعية إلى أحضان الأساطير التي سطرها بيده وقلبه عن طريق عقله، في سابقة فريدة أراد بها إقناع نفسه بصحة رؤيته، كما أن الأسطورة الواحدة انتقلت من حضارة إلى أخرى عبر مثاقفة فكرية، وبذلك صار هناك تداخل بين هذه الأساطير.

يقول الدكتور إدوارد تايلور، في كتاب "الحضارة البدائية"، حين كان ذهن الإنسان في المرحلة الأسطورية يعجز عن تفسير أية ظاهرة، ولا يجد لها سبباً مقنعاً، فإنه يخترع أي قصة. كما قال الدكتور "لانج": لقد كان الناس في العصور القديمة يؤلفون قصصهم تبعاً لنظرتهم الخاصة للأشياء وأسلوبهم في تفسير الأمور، وهذا وضع طبيعي؛ لأنهم لم يكونوا يفكرون على أساس المبادئ التي يضعها الباحثون في العصر الحديث أمامهم عند تفسيرهم لهذه الأمور، أما الدكتور "مويللر" فيقول إن الإنسان البدائي لم يفكر كما نفكر نحن، بل لم يكن يفكر بالطريقة التي نتصور نحن الآن، وهذه هي حقيقة، فالأساطير في الشرق كثيرة، مثل الأسطورة الفرعونية في مصر، والأسطورة الإغريقية، والأسطورة البابلية والآشورية، والإنسان يفكر بالأشياء الغامضة التي تحيط به، وأن لكل شيء حوله ذات الصفات التي له، وافترض أن للجماد روحاً وللنبات روحاً وللآلهة روحاً فهي تتصرف تماماً كالإنسان تحب وتكره وترضى وتغضب وتفعل كل ما يفعله هو نفسه، واستمر الإنسان في صراعه العنيف مع الطبيعة ومع الحيوانات ينتصر فيه الإنسان مرة والطبيعة والحيوان مرات، فما كان لدى الإنسان سوى وسائل بدائية بسيطة ساذجة للنزول بها في معترك هذا الصراع الرهيب.

ولم تعد وسائل الحرب العادية البسيطة تكفي ذلك الإنسان وهو يصارع قوى أشد منه واقدر، فبدأ يتصور بخياله كائنات تتمتع بقوى خارقة تستطيع منازلة أعدائه، فمن خلال خيالاته بدأ يستعين بأصحاب الخوارق، فيما لم يستطع أن يفعله بنفسه، فصور أنصاف الآلهة يستمدون قواهم من السماء، وصور أبطالاً خارقين تتمثل فيهم مظاهر القوة عند الحيوان ومظاهر الجبروت عند الآلهة، ومن هنا ظهر جلجامش وأنكيدو عند البابليين، وهرقل عند الإغريق وأمثالهم كثيرون في عالم الأساطير وهي لون رائع من ألوان الأدب الممتزج بالتاريخ.

وفي القرآن الكريم فقد جاءت كلمة أساطير "جمع أسطورة" تسع مرات في تسع سور مختلفة، وفي جميع المواضع وردت بصورة "أساطير الأولين"، ووردت جميعها في سور مكية في سياق جدل واحتجاج بين النبي عليه الصلاة والسلام، وكفار قريش؛ لأنهم اعتبروا تلك الأخبار الواردة في القرآن الكريم مجرد أوهام وأباطيل وأكاذيب، لاحظ أن مصطلح أساطير جاء ليعبّر عن أخبار تعتقد جماعة بحقيقتها، بل وتؤمن بها إلا أن الجماعة الأخرى "المشركين" يعتبرونها أكاذيب، "وهكذا يقترن بالأسطورة معنيان اثنان يتناقضان ظاهراً؛ لأنهما يعبّران عن وجهتي نظر مختلفتين: فالأساطير في نظر أصحابها عين الحقيقة، أما في نظر سواهم فلا تؤخذ مأخذ الجد، بل هي الوهم والباطل والمحال".

أما الخُرافة لغة، كما جاء في "لسان العرب"، فهي: "الحديثُ المُسْتَمْلَحُ من الكذِب"، أي أن الخرافة عبارة عن قصص لا توجد فيها حقيقة ولا يؤمن بصحتها حتى من يقوم بروايتها، فالخرافة حكاية ليس فيها أي مدلول، ولا تتضمن رسالة محددة؛ لذلك قال العرب قديماً: هذا حديث خرافة، وهو رجل من بني عذرة استهوته الجن، كما تزعم العرب، فلما رجع أخبر بما رأى منها فكذبوه، حتى قالوا على ما لا يصدق "حديث خرافة".

وتتميز عن الأسطورة بأنها تروى لأجل التسلية والترفيه مع أنها قد تشتمل على معجزات وكرامات وحوادث خارقة، فالقصة التي تسرد أحداثاً زائفة هي أشبه ما تكون بالخرافة، ويمكن أن يطلق عليه (كذبة خرافية)، وكان العرب يطلقون هذه الكلمة على القصص غير القابلة للتصديق، كأن تكون أبطال القصة من الحيوانات أو الجمادات، يؤتى بها لغرض المغزى والحكمة، وهي من (خرف)، بمعنى الانقطاع عن الواقع، ومنها كلمة خرافي، أي: عجيب وغير قابل للتصديق.

وهناك علاقة نشوئية بين الخرافة والأسطورة، فقد تتحوّل الأسطورة إلى خرافة في حال كف الفريق الذي يؤمن بأسطورة ما عن الإيمان بها فتتحول إلى خرافة؛ إذ لا يوجد أحد يؤمن بها، هذا التحول قد يتبعه تحول في استخدام المصطلحات الدلالية، مثلاً جميع الأساطير اليونانية التي كان هناك من يعتقد بصحتها يوماً ما أصبحت الآن خرافات؛ لأن لا أحد يؤمن بصحتها، وهناك من يرى أن مصطلح أساطير يونانية يجب أن يغير، فيقال: "الخرافات الروائية اليونانية".

فإذا أردنا أن نعرف الفرق بين الأسطورة والخرافة، والعلاقة بينهما، فلن نجد سوى اختلاف واحد فقط بينهما، ربما لا يلاحظه الكثير، ألا وهو "الحقائق التاريخية"، فالأسطورة تختلف عن الخرافة، أن فيها بعض الحقائق التاريخية، ومن هنا نرى أن فيكتور هوغو عرف الملحمة بقوله: "هي التاريخ ينشد على باب الأسطورة"، ولم يقل الخرافة؛ لأن الأسطورة هي التي تذكر الحقائق التاريخية، فالكلمتان تشتركان في نواة معنوية جامعة، وهي الكلام المخبر عن شؤون الأولين وسيرهم وأخبارهم في زمن ولّى، إلا أن بها بعض الفروق المعنوية ودلالات خاصة بظروف التلفظ والقول، الأساطير في نظر أصحابها هي عين الحقيقة، ولكن قد تكون في عين غيرهم هي عين الباطل والوهم.

إن الأسطورة شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، يمثل حصيلة ذهنية لجهود جماعية لم تكن قد امتلكت بعد القدرة على ممارسة التفكير الفلسفي النظري، فالأسطورة تجسد نظرة المجتمعات القديمة إلى العالم الذي يشمل الكون والمجتمع، وهو تعريف شمولي يحدد الأسطورة في صيغتها العامة، لكن إذا أردنا أن ندخل في التفاصيل، فيجب علينا أن نبحث عن تعريف أكثر تخصصاً من هذا التعريف الشمولي لتقديم تعريف تفصيلي، وليبقى السؤال: ما هي الأسطورة؟

يمكننا أن نقول: الأسطورة تشير إلى شيء ممكن تاريخياً، وإن كان مستبعداً، وهي علم ولها محل اعتقاد، ولها أصل، وقد لخص ذلك د. عبد المعطي شعراوي، في مقدمة دراساته في علم الأساطير بقوله: "كانت الأساطير أديان الشعوب" قبل انتشار الأديان، في حين أن الخرافة كذبة لا أصل لها، وتشير إلى شيء مستحيل، وإن اعتقد البعض بصحته وجواز حدوثه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.