المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

في بلد العميان..

تم النشر: تم التحديث:

العيون ليست سوى عدسات، أما العقل فهو الذي يرى!
واحدة من أشهر الروايات، رواية عبقرية وملهمة، ما أن تقرأها حتى تشعر أنها تلامس شيئاً ما بداخلك، ذلك أن الصراع الذي عاشه بطل القصة "نيونز" بين أن يظل محتفظاً ببصره أو أن يقبل التخلي عنه مقابل أن يعتبره المجتمع مواطناً كاملاً ليستطيع أن يتزوج من حبيبته (مدينا ساروته)، ما من أحد يقرأ هذه القصة حتى يجد شيئاً ما في حياته تشابه مع حالة الصراع تلك، حالة الصراع بين ما هو متعارف عليه وبين ما هو بداخلك.. "أرض العميان" رواية الكاتب البريطاني هربرت جورج ويلز، رواية رائعة تفوق الوصف يمكن إسقاطها على الوضع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه اليوم، عندما ينهار الحق أمام الباطل؛ لأن الحق حين لا يجد من ينصره يستسلم للباطل، الرواية لا تتحدث عن العمى الذي يصيب العيون، وإنما عن ذاك الذي يصيب النفوس والعقول، إنها تتحدث عن "الجهل" والفقر الفكري، وعن سهولة انتشارهما عندما يجدان الخصوبة في الأرض والمناخ الملائم، فالجهل هو الذي يحول الناس إلى مخلوقات حانقة مذعورة عاجزة.

إن من يعيش في عالمنا اليوم عليه أن يضع على عينيه عصابة سوداء، وأن يلغي عقله ويقتل ضميره، فكل شيء في هذا العالم يصيب بالجنون، فلا حياة لمبصر وصاحب ضمير، العمى وموت الضمير أصبحا شرطاً للحياة على هذا الكوكب.

تحكي الرواية عن مهاجرين هربوا من طغيان الإسبان، ثم حدثت انهيارات صخرية عزلتهم عن العالم في وادٍ غامض مجهول، وانتشر بينهم نوع من أمراض العيون أصابهم بالعمى، وظلوا يتوارثون هذا العمى حتى 15 جيلاً، حتى نسوا نعمة البصر، وعضو العينين، ولكنهم استطاعوا تكييف أوضاعهم والتأقلم مع حقيقة عدم وجود البصر بالبصيرة وبالسمع وباللمس والإحساس، ونسوا أن هناك ما يسمى بنعمة البصر، وبالعضو الذي يسمى العينين.

ويظهر هنا بطل القصة نيونز، وهو مغامر شاب يهوى تسلق الجبال، تلقي به المقادير في بلادهم، ويلاحظ أن المساكن ألوانها فاقعة غير متناسقة وبلا نوافذ، ثم يدرك أنه في بلد العميان، ويتذكر مقولة "الأعور يصبح ملكاً في بلد العميان"، فيظن أن بإمكانه أن يجد مكاناً له هنا؛ لأنه الوحيد المبصر بينهم، حاول إقناعهم بأنهم عميان، وبأن هناك نعمة تسمى البصر يفتقدونها، لكنهم لم يصدقوه واعتبروه مجنوناً، حاول الفرار ولم يستطِع، واضطر للعودة إليهم بعد تعب وجوع؛ ليقر بخطئه ويضع نفسه تحت تصرفهم.

كانوا طيبي القلب معه فتقبلوا وجوده بينهم، ويصادف المغامر فتاة من العميان كانوا يعتبرونها قبيحة؛ لأن وجهها مدبب ولها أهداب طويلة، مما يخالف فكرتهم عن الجمال، بينما هو لأنه مبصر استطاع أن يعرف أنها أجمل فتيات المدينة، أحبها وتقدم لخطبتها، فاحتار أبوها، كيف يرضى بهذا المجذوب الذي هبط عليهم من غير موعد؟! هل يقبل به أم يرفضه ويتركها بلا زواج؟!

طلب مشورة حكيم القرية، فكان رد الحكيم بعد فحص الشاب بأن سبب جنونه هو عضوين مزعجين في وجهه أعلى أنفه "يقصد العينين"، وأنه يجب استئصالهما ليكون طبيعياً مثل سكان القرية، لكنه يرفض، ويصف لحبيبته المتع والجمال اللذين يراهما بعينيه، ولكنها تلمس يده برقة، وتقول إنها تحب خياله (!!)، ولكن يجب أن يضحي إذا كان يحبها، يقبل الفتى الخضوع لعملية استئصال عينيه.. هكذا صار العمى شرطاً حتى يرتقي ويقبل به المجتمع ويصبح مواطناً كاملاً يستطيع أن يحيا حياة طبيعية مثل الباقين، فهم لم يكتفوا بكونهم عمياناً ولم يصدقوا كلامه عن البصر، بل اشترطوا أن يصبح مثلهم حتى يعتبروه مواطناً كاملاً، إما ذلك وإما يحرم من الفتاة التي أحبها والتي هي بدورها وإن كانت لا تسخر من قصصه مثلهم، ولكنها في قرارة نفسها تعلم أنه مريض وأن ما يقوله ليس سوى قصص من صنع خياله، وفي اليوم الأخير قبل إجراء العملية خرج ليرى العالم للمرة الأخيرة، ولما رأى الفجر يغمر الوادي بألوانه الساحرة، شعر أنه سوف يرتكب جريمة في حق نفسه.. ما الذي أنتوي أن أفعله؟ كيف أقبل أن أكون أعمى وأضحي بحاسة البصر؟ واتخذ قراره بأن يتسلق الجبال ويهرب، أخذ يتسلق بكل قوة وتصميم على الهروب، وحين غربت الشمس كان قد بعد جداً عن بلد العميان، أخذ ينظر للنجوم وهو يبتسم.

هذا ملمح من القصة وهي عبقرية في رمزيتها، تمثيل سردي لسلالة عمياء تعيش في وادٍ منعزل عن عالم البشر، رمى فيه سلالة من المكفوفين، ثم ابتكر حدثاً سردياً تأتى عنه تمثيل بالغ الأهمية لثنائية الإبصار والعمى، بعد أن ربطهما بنزاع ثقافي وقيمي بين رجل أبيض مبصر وسلالة عمياء أبعدت، جيلاً بعد جيل، عن مسار التاريخ، وكأن المبصر الأبيض جاء إلى واديهم لإنارة أبصارهم المنطفئة، فالعميان قد يكونون أفراد أي مجتمع انغلقوا على ذاتهم، ورضوا بظلام جهلهم وعاداتهم، فلم يعودوا يرون النور في أي مكان آخر، والعميان هم المتعصبون الذين لا يقبلون الآخر ما لم يؤمن بأفكارهم ويصبح أعمى مثلهم، كانت علاقته معهم إشكالية، فعندما أخبرهم أنه جاء من بوغوتا؛ حيث الناس يبصرون لم يفهموا كلمة "يبصر"، وعندما وقع في حب فتاة عمياء اشترطوا عليه أن يتخلى عن بصره؛ ليوافقوا على ارتباطه بها، الأمر الذي دعاه إلى الهرب منهم.. لم ينظر إلى ذلك الوادي باعتباره مكاناً احتضن جماعة بشرية احتمت به من الأذى الإسباني، إنما نظر إليه على أنه أرض مجهولة انزوى فيها غرباء، أصيبوا بالعمى، فاعتزلوا العالم.

لفظهم التاريخ كون أقدام المستكشفين لم تصلهم؛ إذ ينبغي أن يحضر المستكشف الأبيض ليعيد تأهيلهم بعد أن شذوا عن الطريق القويم.

إذاً فقد انبثقت حكاية بلاد العميان من خضم الخيال الاستعماري الذي شغف بالغريب والعجيب من الأراضي النائية والشعوب النائية، والمستكشفين الذين نذروا أنفسهم لإزالة العمى عنها باعتبارها حالة مظلمة من حالات الجنس البشري، وإدراجها في التاريخ الإمبراطوري، وهو تاريخ المبصرين، فاتخذ العمى، في قصة "أرض العميان"، موضوعه من الجدل بين الشعوب المتحضّرة والشعوب البدائية، ورغبة المستكشفين في حكم تلك الجماعات، وبسط السيطرة الإمبراطورية عليها.
إن الرواية تلقي بظلالها على كثير من الأحداث حولنا علنا نعتبر أو نتعظ، فعندما تكون أنت العاقل الوحيد في زمن الجنون، المتعلم الوحيد في زمن الجهل، المبصر الوحيد في أرض العميان، أن تكون قيمك وأفكارك وآراؤك ورؤيتك للحياة في كفة وتقبل المجتمع لك في كفة أخرى.. أن تشعر بأن عقلك وأفكارك عقبة بينك وبين المجتمع، أو أن ينظر لك المجتمع على أنك مواطن مريض ويجب علاجك، محكوم عليك بأن تشقى، وأن يكيلوا لك الاتهامات بالجنون والتهور والخيانة والعمالة والفلولية، فما أكثر أصحاب البصر عميان البصيرة بيننا، وما من مبرر لهم غير عمى أبصارنا وبصائرنا، فإما أن تستسلم وتصبح مثلهم، وإما عذاب أبدي مقيم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.