المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

صناعة الغباء والتلاعب بالعقول

تم النشر: تم التحديث:

قال أينشتاين ذات يوم: هناك شيئان لا حدود لهما.. الكون وغباء الإنسان.
لكن لا أحد من الناس يستيقظ في الصباح ثم يقول لنفسه اعتباراً من هذا اليوم سأكون غبياً.. والناس يشكون من الغباء، ويرجعون كل المشكلات الإنسانية التي تمر بهم إلى أفعال غبية تصدر من أناس أغبياء، فهل الغباء هو قصور عقلي فطري أم أمر مكتسب يصل إليه الإنسان بعد مرور ببعض الخبرات والتجارب الحياتية؟!

ويعرف الغباء باعتباره حالة عقلية تؤدي إلى سوء التكيف مع الواقع والتصرف في عكس اتجاه المصلحة تحت ظروف اختيارية حرة دون إجبار، فيفقد الإنسان التأقلم مع المعطيات الجديدة، وبالتالي تصدر عنه أفعال منافية للمنطق وللمصلحة.

لو سألت أحدهم هل تحب طائر البوم؟ لأجاب: أعوذ بالله إنه قبيح ويجلب الشؤم. ولو سألته عن سر كرهه لما عرف بماذا يجيبك رغم أن هذا الطائر بريء لا يجلب شؤماً ولا حظاً ويكون الجواب: لا أدري!! الكل يتشاءم منه.. ومن سماع صوته؟

والغباء كما ورد في "مختار الصحاح" هو قلة الفطنة، والغبي هو قليل الفطنة، وفي قاموس "وبستر": الغباء هو قصور في الفهم ونقص في الاستيعاب وكسل في نشاط العقل.. والإنسان الغبي هو الذي يفقد القدرة على الربط بين الواقع الربط الصحيح ليصل إلى نتائج صحيحة ويتخذ القرارات التي تصل به إلى الفائدة المرجوة وصولاً إلى تحقيق مصلحة مجتمعه وبيئته.

تقول الحكاية إن عشرة أطفال كانوا يلعبون بجوار سكة حديدية.. تسعة منهم اختاروا أن يلعبوا بجوار خط يمر عليه القطار كل فترة، بينما اختار الطفل العاشر اللعب بمفرده بجوار خط مهجور للسكك الحديدية.. وحين لمح عامل السكة الحديد القطار القادم أصابه الهلع خوفاً على حياة الأطفال التسعة، الذين يلعبون على خط السكة، الذى سيمر عليه القطار.. فكَّر الرجل بسرعة، وقرر تحويل مسار القطار ليسير على الخط المهجور، حيث إن هناك طفلاً واحداً فقط يلعب هناك.. فبذلك هو أنقذ حياة التسعة أطفال.. أي أن هذا القرار حقق أقل خسائر ممكنة!!

للوهلة الأولى يتبين لنا أن عامل السكك الحديدية قد اختار القرار الصحيح بمنطق الكم.. ولكن حين نفكر بمنطق الكيف سنكتشف أنه قد أخطأ.. فالطفل الذي ضحى به عامل السكة الحديد كان أذكى الأطفال العشرة، لأنه الوحيد الذى فكر واختار القرار الصحيح باللعب فى المنطقة الآمنة.. أما البقية الذين أنقذ العامل حياتهم فهم الأغبياء والمستهترون الذين لم يفكروا بطريقة صحيحة، واختاروا اللعب في منطقة الخطر.

ربما يبدو أن هذا التحليل غير منطقي وغير عاطفي لدى البعض... إلا أن هذا هو الفارق الشاسع بين المجتمعات التي تصنع الذكاء والغباء بين أفرادها.. فالمجتمعات الغبية تضحي بالأذكياء والأكفاء.. أما فى المجتمعات الذكية عند الدول المتقدمة فتلهث القيادات وراء العقول، وتنفق عليها؛ لأن الأذكياء والعقلاء والنابهين يقودون المجتمع ويصنعون السعادة حتى للأغبياء أيضاً، وهي مهمة ليست سهلة.. والدول الذكية هي التي تستثمر في العقول؛ لأن العقول هي التي تبني الدول وتدعم استقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. وتدفع إلى النمو والتقدم، تبحث عن المتفوقين، وتدفع بهم للواجهة؛ لأنهم بعقولهم سيدفعون المجتمع للأمام.. أما الدول الغبية، فتقتل المواهب وتئد الأفكار، وتدفع بالأغبياء للصفوف الأولى لصناعة شعوب بلهاء تسهل السيطرة عليها، إنه فن صناعة الغباء؛ ليسقط المجتمع في الهاوية.. فالغباء والبلاهة تاج على رؤوس البلهاء.

مثال آخر على كيفية صناعة الغباء، نظرية القرود الخمسة، ذلك أن مجموعة باحثين وضعوا خمسة قرود في قفص، وعلقوا في مكان مرتفع منه موزة يتم الوصول إليها عبر سلم. وكانوا كلما تسلق قرد السلم ليصل إلى الموزة يرشون بقية القرود الأربعة بماء مثلج، ولا يتعرضون للقرد الذي سعى إلى الموزة. وبعدما تكررت محاولات الوصول إلى الموزة من قِبل القرود الخمسة مع تكرار العقاب بالماء المثلج، بدأت القرود تنهال بالضرب على كل من يحاول صعود السلم.

أخرج العلماء أحد القرود الخمسة وأدخلوا مكانه قرداً جديداً، حاول صعود السلم، فضربه القرود الأربعة، حتى اعتاد عدم السعي إلى الموزة. قرد ثانٍ من جيل الماء البارد استبدل بقرد جديد. وتكررت النتيجة حتى تعلم عدم محاولة الصعود، وهكذا حتى تم استبدال جميع قرود الجيل الأول من ضحايا الماء المثلج، وبقيت قرود الجيل الثاني، التي لم تختبَر العقاب، تضرب أي قرد جديد يحاول السعي إلى الموزة.

العبرة من ذلك، هي أنه تم صنع أساس المنع مع الجيل الأول من القرود الخمسة عبر العقاب الجماعي، والعبرة الأهم أن الجيل الثاني تبنى ضرب أي قرد يسعى إلى الموزة مع أنه (أي الجيل الثاني) لم يختبر العقاب بالماء المثلج، بل ورث قناعة ضرب مَن يقترب من السلم.

ما سبق هو مثال لعملية "صنع قناعة" لدى رأي عام بالإكراه، ما يقتضي عقاباً في المرحلة الأولى، إلا أن الأجيال الآتية تتبنى تلك "القناعة" تلقائياً، من دون الحاجة إلى إخضاعها للعقاب.

فالغباء صناعة يصنع كما تصنع الأحذية.. ويصنع كي يلبس.. ولكن في الرأس لا في القَدم.
إنه أسلوب حياة؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.