المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

"رأيت رام الله" لمريد البرغوثي.. رواية ترصد أوجاع الفلسطينيين

تم النشر: تم التحديث:

الشعب الفلسطيني شعب انشطر إلى نصفين: نصف داخل الوطن، ونصف خارجه، فهو شعب مهما حاولنا وصفه أو كتابته لن نستطيع؛ لأنه ببساطة شعب متشائل، شعب يعيش تراجيديا وواقعاً مريراً بكوميديا وسخرية سوداء، هكذا وصف إميل حبيبي، في رواية المتشائل، واقع الشعب الفلسطيني.

"رأيت رام الله" رواية لمريد البرغوثي، تصف تجربته الشخصية عند عودته من الشتات إلى بلدته ومسقط رأسه دير غسانة، يتحدث فيها عن الغربة وما تفعله، عن اللجوء، عن الذكريات التي نسيت الشاب الذي غادر ليعود، وعلى أطراف جبينه ثلج الغربة الذي لن يذوب.. رواية تبين التاريخ المعاصر لفلسطين، كما بينت العودة إلى الوطن، وطريقة وصف مريد البرغوثي لتاريخ فلسطين عن طريق سيرته الذاتية بطريقة روائية واسترجاع الذكريات.

"رأيت رام الله" كُتبت بلغة الحنين الممزوجة بغصة الظلم أجد نفسي عاجزاً عن وصف مشاعري تجاه هذه الغربة، التي يحكـي صاحبها قصة عودتـه إلى رام الله بعد ثلاثين سنة من الغربة، يربط فيها الذكـرى والغربة واللاشعور والألم عند العودة.. إنها رواية تغوص في عمق الوجع تبعثرك على سطورها ثم تجمعك في لحظة ترقب للأمل، ما تلبث أن تنفرط على وقع حقيقة الاحتلال القاسية.

هذا العمل الذي شغل الناس قطعة من النثر الخالص مشحون بغنائية مكثفة، روعة في اللغة، وسهولة العبارة، يروي قصة العودة بعد سنوات النفي الطويلة، واحد من أروع أشكال كتابة التجربة الوجودية للشتات الفلسطيني، ذلك أن عظمة وقوة "رأيت رام الله" تكمن في قدرته على أن يمنح وضوحاً وصفاء لدوامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرء في مثل هذه الحالات. كتاب أقرب ما يكون لمحاكاة الذات أو مذكرات شخصية أكثر منها رواية تخيلية، يتحدث عن حياة مغترب يكتب لأول مرة بعد عودته إلى وطنه الذي غاب عنه لأكثر من ثلاثين سنة.
ما يميز الرواية طريقة الكتابة واختيار اللغة من حيث استخدام اللهجة الفلسطينية، ما جعل الرابطة بين الراوي والرواية أكثر تميزاً.

"رأيت رام الله" تبين العلاقة الحسية بين الراوي والأرض وبؤس الشتات، "رأيت رام الله" تروي تاريخ فلسطين من خلال المدن والأماكن وعلاقة الكاتب بها، الصدق ومكاشفة النفس بعيوبها.. لا يصور الفلسطيني بالشكل الأسطوري المعتاد، صاحب الشخصية الفولاذية إنساناً لا يحزن ولا يتأثر ولا يبكي ويكاد لا يشعُر.. إلا بالسياسة! بل يصورهم على حقيقتهم، بقوتهم وتحديهم، وبكل ما أمرضهم به الاحتلال.. فالشعوب لا تبقى على حالها حينما تكون محتلّة، ولا يبقى الناس على سجيتهم النقية إذا تم حرمانهم من حريتهم وحقوقهم لفترة طويلة.

كما يعطي الكتاب للقارئ صورة واقعية ذات ملمس إنساني عن الوضع الداخلي الفلسطيني، صورة قابلة للتصديق، بكل ما فيها من تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية، استحالت أن توجد في أي مكان آخر على وجه الأرض.

يقول إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني الذي عاش تجربة مماثلة حين عاد إلى فلسطين بعد 45 عاماً في الاغتراب عن "رأيت رام الله": "إن عظمة وقوة وطزاجة كتاب البرغوثي تكمن في أنه يسجل بشكل دقيق موجع هذا المزيج من مشاعر السعادة، والأسف، والحزن، والدهشة، والسخط، والأحاسيس الأخرى التي تصاحب هذه العودة، وفي قدرته على أن يمنح وضوحاً وصفاء لدوامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرء في مثل تلك الحالات.. إن التميز الأساسي لكتاب "رأيت رام الله" هو في كونه سجلاً للخسارة في ذروة العودة ولم الشمل".

تلك الخسارة التي يعبر عنها مريد البرغوثي حين يقول: "أخذوا ذلك الدكان الذي كنت أسافر إليه خصيصاً من رام الله لشراء حذاء من الجلد الممتاز، وأعود للعائلة بفطائر من "زلاطيمو" وكنافة من حلويات "جعفر" وبعد ستة عشر كيلومتراً في باص بامية وبأجرة خمسة قروش أعود إلى بيتنا في رام الله مزهواً متباهياً فأنا عائد منها من القدس الآن، لن أرى قدس السماء، ولن أرى قدس حبال الغسيل؛ لأن إسرائيل متذرعة بالسماء احتلت الأرض".

"رأيت رام الله" يحدثنا عن نازحٍ ذاق الأمرَّين من أجل أن تدوس قدماه تراب بلاده، من أجل أن يرى قريته التي ولد فيها "دير غسّانة" من أجل أن يرى بيته الذي عاش فيه طفولته المرّة هناك في "دار رعد" تينة الدار التي جرّب مذاقها كل أهل القرية.

يحكي قصة الطريق إلى الوطن، طريق لم تكن بأجمل من الوطن أبداً، ننظر إلى الرجل الذي صار عليه في البعد، وقد تنقّل في سبعة بلدان. أمّا فلسطين، المكان الأمّ، فلم يرَها إلا بعد 30 عاماً من نكسة يونيو/حزيران 1967.

هو لا يسمي زيارته تلك عودة، قال "رأيت رام الله" لا عدت، ولا سكنت، ولا زرت، لقد وقع على المدينة بفعل المشاهدة، كأنها ليست المكان، بل صورته.. فلا أحد يعرف معنى الغربة الحقيقية.. المعنى النفسي للطرد والشتات.. المنفي جسداً.. المنفي جغرافيا. الذي عاش حياته لا يلتقي بابنه وزوجته إلا 3 أشهر في صيف كل سنة و3 أسابيع في الشتاء.. يبني علاقته مع ابنه باستخدام الهاتف.. يتلقى الأخبار السعيدة والمحزنة.. الأليمة والعادية عبر الهاتف.. الذي يدخل ويرى المستوطنات اليهودية ويتساءل عما يدور بداخلها.. الذي يصدمه منظر الخضرة التي تغير لونها.. الذي يصدمه النهر حين بدأ يجف ماؤه.. حين يعبر معبر الكرامة.. حين يتذكر الشاورما والمكتبة التي لم تعُد هنالك بعد..

إنها رواية من الروايات الصعبة، تقرأ صفحة وتقف مطولاً؛ لأن الشعور صعب، صعب لتفهمه.. كما هو صعب أن تقرأه مجرد قراءة.

يحدثنا مريد البرغوثي عن أيامه القديمة في فلسطين ودير غسانة ورام الله.. عن سفره للدراسة، هذا الوطن الذي التهمت إسرائيل ما تبقى منه في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وهضبة الجولان وصحراء سيناء.. عن الهزائم والنكبات بعد أن تجاوزته السنون عوضاً عن أن يتجاوزها هو.. يصف غربته خارج بلاده.. عن الأوضاع السياسية.. قرأت عن مشاعر مريد حين دخوله لرام الله وبلدته دير غسانة، تلك اليوميات التي تفيض ألماً واسترجاعاً لذكريات الطفولة، يستفز قدرتك على المقارنة واستذكار الماضي وربطه بالحاضر، على البحث عما في جعبتك من قواسم مشتركة مع ذكريات ويوميات مريد في "رأيت رام الله"، ففي داخل كل منا مريد، وكل منا مخزن للذكريات والآلام والروايات لأحداث ضاعت في زحمة الأحداث.

تحدث عن الجسر الذي اختلف الجميع على اسمه، جسر العبور إلى فلسطين ليس كل فلسطين، بل الضفة الغربية فقط، اجتازه بعد 30 عاماً من الغربة، لتبدأ قصته بعدها في رام الله، ولنتعرف معه على تلك الحياة الجميلة بين صفحات الكتاب، فينقلنا إلى مصر حيث تم نفيه من هناك بعيداً عن طفله تميم، وعن حقه في رؤية دير غسانة أو رام الله، كما يحدثنا عن عائلته الرائعة وأبيه "الحنون" وخاله عطا، وأمه أم الرجال الغرباء، وأخيه منيف الذي يموت غريباً في فرنسا.

كما يخبرنا عن علاقته بأدباء فلسطين من محمود درويش إلى ناجي العلي وغسان كنفاني اللذين ماتا اغتيالاً ما يذكرنا بأن الفلسطيني مهما كان موهوباً أو مرموقاً يظل عرضة للموت المفاجئ والاختفاء القسري.

ولا يفوت مريد قبل أن يخلد إلى نومه في "يوم القيامة اليومي" أن يقض مضاجعنا في "لم الشمل" الذي يكتشف في حضرة أهله أين تكمن المصيبة؛ إنها في حذف "أولاً" وهو ما استطاعته "إسرائيل" وفشل فيه العرب؛ فحين يقول إسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض أمام مليارات البشر: "نحن ضحايا الحرب والعنف، لم نعرف عاماً واحداً أو شهراً واحداً لم تبك فيه أمهاتنا أبناءهن" تسري في بدن مريد قشعريرة لأنه يجد أن القاتل يقلب الحقيقة ويغير الترتيب: "فها هي منازلهم المبنية فوق منازلنا تعلن بشهامة نادرة استعدادها لتفهم هوايتنا الغريبة في سكنى المخيمات المبعثرة في شتات الآلهة والذباب".

هكذا رأى مريد البرغوثي رام الله كما رأيتها أنا من صفحات كتابه، أحتسي البوظة في محل ركب، وأبيت ليلة الخميس في عمارة اللفتاوي، أصلي الجمعة في الأقصى ثم أذهب لأكل العنب في الخليل وأعود للعائلة بفطائر من "زلاطيمو" والكنافة من عند جعفر، أستجم على ضفاف بحيرة طبريا وأسبح في بحر يافا وفي عكا أتناول السمك، وفي رحلة العودة أزور الجليل، أريد أن أرى فلسطين كاملة غير منقوصة زيتونة واحدة، ولا حبة تراب واحدة.

بقي أن أقول إنني قرأت "رأيت رام الله" بعد رواية "ثلاثية غرناطة" التي كتبتها رضوى عاشور زوجة مريد البرغوثي، التي كان يتحدث عنها وكأنها ملاك في كل مرة يغرق فيها في وصف ملأه الحنين ومرارة الغربة يعود ليذكر رضوى وكأنه يستعين بها على ذكرياته.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.