المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

واسيني الاعرج في رواية "البيت الاندلسي": نكتب لأننا نحب الكتابة!

تم النشر: تم التحديث:

واسيني الاعرج في رواية "البيت الاندلسي"

"نكتب لأننا نحب الكتابة ونتقاسم أفراحها مع قرائنا"

هناك نصوص تشدنا للقراءة لأنها تخاطب شيئا فينا ربما كان غامضا. واسيني معروف بكتابته الشعرية بل والحسية وهي طريقة أدبية تعبيرية ، ولكن لأنها فن كبير تنجح عن طريق فتح الحواس في طرح الأسئلة الكبيرة التاريخية والراهنة على القارئ نفسه الذي سيجد نفسه معنيا بتلك الأسئلة الحياتية.
ما يشدك إلى هذا النص ثنائية النص ففي الرواية مساران روائيان أساسيان يجري أحدهما في الحاضر بينما يعطي المسار الآخر هو صوت الماضي. راوي مسار الماضي هو أحمد بن خليل غاليليو الروخو الذي هاجر من أرضه الأولى الأندلس قسرا وحبيبة قلبه سلطانة الونسو التي عشقها ليستقر بالقرب من الجزائر المحروسة وحلمت ان يكون لها بيت كالذي رأته على هضاب غرناطه في يوم من الايام.

مراد باسطا المنحدر من أحمد بن خليل غاليليو الروخو هو صوت الحاضر ويعيش أيام البيت الأخيرة ونتابع صراعه مع البلدية لإبقاء البيت الذي سينتهي أمره كبناء ملموس ويهدم قبل أن يموت مراد وهو الشخصية الرئيسية التي ورثت البيت وما يرتبط به، من ذلك، المخطوطة التي تعود إلى جده غاليليو..

هي الهضاب نفسها التي زفر فيها محمد الصغير، أبو عبدالله، آخر ملوك بني الأحمر، زفرته الأخيرة، فكان لها ذلك بعد الكثير من القسوة والمنافي الأندلسية المتكررة والمآسي الدينية والثقافية، لينتهي البيت من خلال السرد الروائي، إلى مراد باسطا،"حافظوا على هذا البيت، فهو من لحمي ودمي. ابقوا فيه ولا تغادروه حتى ولو أصبحتم خدما فيه أو عبيدا..إن البيوت الخالية تموت يتيمة".

كانت هذه وصية سيدي أحمد بن خليل (غاليليو الروخو)، أحد المورسكيين (مسلمي الأندلس) الذي تم تهجيره غصبا من حاضرة غرناطة بعد أن أذاقته محاكم التفتيش الإسبانية الويلات، رأى في سجونها أصنافا وألوانا من العذاب الذي يفوق احتماله طاقة البشر، لكنه نجى من موت محقق بأعجوبة، حيث وضع الله في طريقه رجلا من رجال الكنيسة ساعده على الرحيل..

مغادرته الأندلس كانت بداية حياة حملت له من الشقاء والفرح والأمل والألم والأسئلة ما لم يجد لها جوابا، ركب سفينة التهجير الضخمة هو والاف غيره مجبرين نحو الجزائر، وترك وراءه بلاده وتفاصيل حياته وحبا يكاد يكون مستحيلا في زمننا الأغبر، ترك وراءه سلطانة بالاثيوس، مارانية ( المارانيون = يهود الأندلس) جمعهما حب عنيف سيحارب حتى النهاية..

بطل الرواية، مراد باسطا، آخر ما تبقى من السلالة المنقرضة، يحاول جاهدا الحفاظ على مخطوطة جده الأول غاليليو، التي دون عليها فظائع ما جاءت به محاكم التفتيش، يساعده في ذلك حفيده سليم وماسيكا، الفتاة الموريسكية التي تعثر بها ذات صدفة، كما يسعى لإثبات حق ملكيته للبيت الأندلسي الذي بناه غاليلو الروخو قطعة قطعة كعربون محبة للالة سلطانة في منفاه في الجزائر، والذي كان متأكدا من أن سفينة القدر سترسو بها عند بابه وإن طال الزمن..

هذا البيت الذي بناه غاليليو في القرن السادس عشر بكل جوارحه وصممه على الطراز الأندلسي المحض بما بقي عالقا في ذهنه من صورة أحد بيوت البيازين بغرناطة، والذي تعاهد أمامه مع لالة سلطانة بأن ينشئا مثله ويورثاه لأبنائهما، نجح في جلب أندلسه إلى منفاه، كل ما فيه يعبق برائحة أرضه الأولى، أشجاره ومسكه ونافورته، حتى الموشحات الأندلسية والفرقة الموسيقية التي كونتها لالة سلطانة ورفيقاتها حين التحقت عبر سفينة تهجير هي الأخرى بغاليليو وعادت لهما بهجة الحياة بعد طول فراق..

برع واسيني الأعرج في وصف قرون خمسة مضت، تعاقب فيها الكثيرون على البيت الأندلسي بعد رحيل غاليليو، فعاش فيه كما يصف الكاتب، العشاق والقتلة، النبلاء والسفلة، الملائكة والشياطين، الشهداء والخونة.. وكأنه تعمد في الشطر التاريخي للرواية التركيز وبكثير من التفصيل على رحلة هذه المخطوطة النادرة، التي كانت ترسم تاريخ عائلة من الموريسكيين الذين فروا بهويتهم وثقافتهم من الأندلس إلى الجزائر قبل أكثر من أربعة قرون. كتبوا أجزاء كبيرة منها، بلغة الخيميادو التي اختارها هؤلاء لتدوين نصوصهم وتاريخهم وحتى النص القرآني وبعض الأحاديث النبوية الشريفة. لأن لغة الخيميادو كانت سرهم وجسرهم نحو هويتهم المقهورة وتاريخهم. فكان باسطا آخر وصي على المخطوطة، وهو راعيها وكذا الحارس لها من الاندثار والموت الذي يتهددها من كل جانب.

عمل بالوصية إلى آخر لحظة في حياته وكأنها مسؤوليته الحياتية الأولى والأخيرة: «لا تتركوا البيت الأندلسي ولو عشتم فيه خدما» وهي الفكرة التي حرص الكاتب على إبرازها ومشاركة أصحابها في قناعتها، فتولى بدوره مهمة التأكيد على ضرورة الوفاء للهوية الثقافية في بعدها الأكثر إنسانية والأكثر اتساعا، بعد أن شكلت ماسيكا مرافقته الدائمة امتداده الطبيعي. فقد ظلت وجهه الخفي الأكثر حيوية، كما حدث لدون كيخوتي مع مرافقه الدائم سانشو دي بانسا. لا غرابة في ذلك، فهذه الرواية الإنسانية العظيمة، مع ألف ليلة وليلة، تشكل اللاوعي الكتابي لواسيني.

الرواية تحمل من الدلالات أعمق من قصة بيت يتم الاقتتال عليه، إنها كما يقول الكاتب " استعارة مُرة لما يحدث في كل الوطن العربي من معضلات كبرى تتعلق بصعوبة استيعاب الحداثة في ظل أفق مفتوح على المزيد من الخراب والانكسارات".

يسترجع الكاتب في هذه الرواية مختلف المراحل والأحداث التي عرفها «البيت الأندلسي». وبعيدا عن التأريخ الذي ليس من اختصاصه كما يذكّر قراءه دائما.

يعود مع أبطال روايته الذين يخيل إليك وأنت تركض وراء حيواتهم الصعبة، أنه عايشهم واستمع إلى حكاياتهم وأحلامهم وهمومهم بكل تفاصيلها، إلى أهم الأحداث التي عرفها البيت وعاشها بعنف دون أن تتمكن أية قوة من محوه واندثاره، وكيف انتهك القرصان دالي مامي البيت بعد وفاة غاليليو وزوجته، وكيف اغتصب مارينا التي تاهت في البحر بعد أن ظلت تحلم بعودة مستحيلة، قبل أن يشتري البيت حسن الخزناجي لابنته خداوج العمياء وقراره بقبول عودة العائلة إلى هذا البيت، ونكاد لا نعرف مساحة التاريخ من مساحة المتخيل، بل يندمجان في كلية تشكل جسد النص، ثم كيف حول "البيت" خلال فترة الاستعمار الفرنسي إلى بلدية، ثم إلى إقامة لنابليون الثالث وزوجته. ليتحول بعد الاستقلال إلى مساحة للغناء الأندلسي مستعيدا حقيقته الجوهرية، قبل أن يبتذل ذلك التاريخ الكبير فيتحول البيت إلى حانة ومكانا لالتقاء أصحاب الصفقات والقتلة الصغار والكبار، قبل الانتهاء إلى قرار إزالته وبناء برج عال من مائة طابق في مكانه. على الرغم من أن آخر طلب لمراد باسطا، قبل موته كان تحويل البيت الأندلسي إلى مكان للموسيقى والفنون. إلا أن البلدية المرتبطة بمصالح جد معقدة مع أصحاب المال، تصر على تهديمه لربح مساحة الأرض الواسعة.

وهي الفكرة التي تحيل بالضرورة إلى سؤال الحداثة المعطوبة التي لم تربح لا عملة التحديث كما هو الحال في أوروبا مثلا، ولا التراث في بعده الأكثر إنسانية، فبقيت على حافتين انتهتا إلى الانسداد الكلي والموت الحتمي المتلخص في الحرق والهدم الذي يطال البيت الأندلسي، وكأن واسيني يريد أن يثير انتباهنا إلى مآلاتنا القادمة في عالم لا يرحم الضعيف.

البيت الأندلسي هو الوجه الثاني للأندلس، للخيبات والانكسارات، للفرقة والضياع، للتعذيب والتنكيل، هو التناحر باسم الدين، هو ضريبة حضارة القرون الثمانية..

البيت الأندلسي هو الوطن العربي ممثلا في الجزائر، هو جشع الطبقات الصاعدة التي لا تتوانى عن إزهاق الأرواح وتخريب البلد لحساب مصالحها الشخصية، هو البلادة العربية والوطنية الغائبة، هو التجارة باسم الدين وتطبيق الشريعة باسم المصالح.. حيث يبيع الرجال أوطانهم من أجل حفنة مال، ويدفنون التاريخ حين يعارض هواهم، رجال يجهلون ماضيهم ويدوسون حضارة كاملة بأقدامهم..رجال تنخرهم سوسة المال والسلطة وما سواهما خارج عن ملتهم.. يستنزفون بلادهم ومن ثم يبيعونها لتصبح هذه البلدان بقرات حلوب للمال. كما ترى التاريخ ليس إلا مطية حكائية ولو كان لها ما يبررها انها رواية تبعث على الحزن والاسى، ليس فقط على ضياع بلادنا، وإنما على ضياع الإنسانية من وقت ضياع وسقوط الأندلس إلى يومنا الحاضر، ضاعت الإنسانية بطرق مختلفة، قبل خمسة قرون كان ضياعها على يد محاكم التفتيش المقدس، أما اليوم فضياعها بالفساد الذي استشرى والكذب الذي انتشر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.