المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

"أبناء الأيام" لإدوارد غاليانو: متحف الذاكرة الإنسانية

تم النشر: تم التحديث:

هو أحد أكثر كتاب أميركا اللاتينية تميزاً، وهو الضمير الحي الذي يمثل جميع المغلوبين والمنسيين في هذه الحياة، هذا الكاتب الأوروغوياني الرائع، المثير للجدل، العنيد والمشاكس، "صديق المنسيين"، حاول دائماً أن "ينظر إلى العالم من خلال البرك الصغيرة في الشوارع"، إنه "المهووس بالتذكر"؛ حيث أخافه أن يصبح أعمى كالآخرين؛ لأن "المسار المحتمل في أن نصبح عميان ليس هو فقدان البصر بل الذاكرة"، صاحب أسلوب فريد في الكتابة، بل قل صاحب أسلوب جديد، فبدلاً من التحليل المسهب والمقاطع المطولة، يكتب بأسلوب الشذرات أو أسلوب المقاطع القصيرة المركزة، ويمزج بين وسائط سردية وتعبيرية متنوعة، أسلوب يمنحه حرية أكبر ومرونة أوسع في الكتابة، ويساعده أن يوهم قراءه بأنهم لا يتفرجون على أحداث وقعت في الماضي، بل يعايشون أحداثاً تقع أمامهم في التو واللحظة، وربما كان كتاب "شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة" الذي أهداه تشافيز للرئيس أوباما من أسباب شهرة غاليانو في عالمنا العربي.

وفي رواية "أبناء الأيام"، يختار غاليانو أحداثاً مفصلية لتوثيق الذاكرة الكونية، موزعاً إياهاً على أيام السنة، يهدي اليوم الأول في السنة إلى شعب المايا الذي يؤمن بأن الزمن فضاء؛ حيث الأيام هي التي تصنع أو تشكّل الأشخاص، ومن هؤلاء تتولد القصص والحكايات؛ لأن الإنسان هو ابن تاريخه أو حكاياته، وبالتالي فنحن "أبناء الأيام".

حكايات مكثفة ومفارِقة في التقاط مشاهد لأشخاص ووقائع غيروا مصير العالم، فيرصد بعدسته وجوهاً وأحداثاً واعترافات عن الحياة والموت والحب والموسيقى، والمجازر، والديكتاتوريات... عالم يتأرجح من عصر الكهوف إلى عصر الحضارة اليوم، كما لو أنه شاشة سينما تبث أرشيفاً سريّاً عن محاولات "سرقة الذاكرة"، فيخوض مغامرة الأحاسيس والمشاعر من خلال الكلمة، يستخدم الكلمة ليوقظ هذا العالم الغارق في اللامبالاة، الكلمة التي تنساب كأغنية عذبة، تؤثث العالم بالجمال والحبور، لتحيي فيه غبطة الوجود، وتعلمنا كيف تزهر اللغة الجميلة في النفوس المتعطشة للأمل والحرية والعدالة... إنه رحلة يومية من الماضي إلى الحاضر على امتداد 365 يوماً من أيام السنة، كل حكاية أو قصة تتضمن رسائل ناقدة نقداً لاذعاً للمجتمع الذي نعيشه، رسائل تسافر عبر الزمن حتى تصل إلى الحاضر.

عن 15 مايو/أيار دَيْنُ الآخر

في هذا اليوم من عام 1948، ولدت دولة إسرائيل.

وبعد أيام قليلة من ذلك، طُرد أكثر من ثمانمائة ألف فلسطيني، ودُمر أكثر من خمسمائة قرية.

هذه القرى؛ حيث كانت تنمو أشجار الزيتون والتين واللوز وغيرها من الأشجار المثمرة، تقبع مدفونة تحت الطرق السريعة، والمراكز التجارية، وحدائق الملاهي، إنها موتى بلا أسماء، فلجنة الأسماء لدى السلطة الجديدة أعادت تعميد الخارطة.

لم يبقَ إلا قليل من فلسطين، ومن أجل التهام الخريطة المتمادي تستحضر صكوك ملكية، ممنوحة من التوراة بسخاء، وتُبرر بمعاناة الشعب اليهودي طوال ألفَي عام من الملاحقة.

ملاحقة اليهود كانت، على الدوام، عادة أوروبية، ولكن الفلسطينيين هم من يدفعون ديون الآخرين.

7 أغسطس/آب: تجسس عليّ

في 1876 ولدت ماتا هاري.

أسِرَّةٌ وثيرة كانت ميادين معاركها في الحرب العالمية الأولى. وقادةٌ عسكريون وسياسيون كبار استسلموا لفتنة أسلحتها، واعترفوا لها بأسرارٍ كانت تبيعها لفرنسا، أو ألمانيا أو من يدفع أكثر.

في 1917، حُكم عليها بالإعدام، أرسلت قُبلات وداع لفصيلة الإعدام رمياً بالرصاص، ثمانية من الجنود الأحد عشر أخطأوا في إصابة الهدف.

13 يوليو/تموز: هدف القرن

في هذا اليوم من عام 2002 أعلنت الهيئة الأعلى لكرة القدم نتيجة استفتاء عالمي أجرته: اختر هدف القرن العشرين.
وقد كسب، بأغلبية ساحقة، هدف دييغو مارادونا في مونديال 1986، حين كان يرقص والكرة ملتصقة بقدمه مخلفاً وراءه ستة لاعبين إنجليز ضائعين على الطريق.

كانت تلك هي الصورة الأخيرة التي رآها مانويل ألبا أوليفاريس من الدنيا.
كان عمره أحد عشر عاماً، وفي تلك اللحظة الساحرة انطفأت عيناه إلى الأبد، لقد حفظ الهدف سليماً في ذاكرته، وهو يصفه أفضل من أفضل المعلقين الرياضيين.

منذ ذلك الحين، ومن أجل أن يرى كرة القدم وأشياء أخرى ليست بأهميتها، يطلب مانويل من أصدقائه أن يعيروه أعينهم.
وبفضلهم، أسس هذا الضرير الكولومبي وترأس نادياً لكرة القدم، فكان وما زال المدير الفني للفريق، يعلق على المباريات في برنامجه الإذاعي، ويغني كي يسلي المستمعين، وفي ساعات فراغه يعمل محامياً.
وكعادته في كل كتبه يترك صاحب "كرة القدم في الشمس والظل" مساحة للاحتفاء بالجمال، إلى جوار عملية النقد الجذرية التي يجريها، فيحتفي بموتسارت، وأنطون تشيخوف، وكارل ماركس، وفيلم "ذهب مع الريح"، وفرقة الـ"بيتلز"، ومحمد البوعزيزي؛ حيث يكتب: "النار الصغيرة التي لا تتجاوز طول قامة بائع جوّال، صارت خلال أيامٍ قليلة بحجم العالم العربي بأسره، المشتعل بأناس ملّوا من كونهم لا شيء".

تجتمع في شخص غاليانو ذاكرة الجنوب، لا أميركا الجنوبية كونه أحد أبنائها، الجنوب بالمعنى الذي يجسده كنقيض للشمال، المستعمر الغازي، وبهذا الانتماء المعلن إلى هذه البقعة من العالم، يتماهى مع المستضعفين والمغلوبين والمعذبين في الأرض، يستحضر ذاكرتهم، ويتبنى أحلامهم بالحياة، ورغباتهم في السلام، انتصاراً للضمير وضدّ كل أشكال التعسف والهيمنة التي تدبرها قوى الاستعمار والإمبريالية.

إن ما يفعله صاحب "أفواه الزمن" هو تشريح واقع مثقل بالظلم، وتعرية الغزاة والأباطرة والقوى المهيمنة على العالم.. وما يمثله نص غاليانو ليس إلا "هوية ثقافية" تتغذى من ثراء تجارب الآخرين، على خلاف جذري مع تصدير نمط واحد، وتحويل العالم إلى سوق، والبشر إلى مجرد مستهلكين فصيّاد الكلام هذا يدرك الغاية التي يمضي نحوها، فهو وإن مات لم تمت أشياؤه، ترك بيننا ذاكرته حية طالما بقي الظلم والاستبداد في هذا العالم، سيظل الناس بحاجة لقراءة هذا النوع من الأدب الذي ينتصر لهم ويقف إلى جوارهم... فهو يريد للتاريخ أن يكون حراً يتنفس من خلال كلماته. يتحدث عن الأمم المستباحة والناس الضعفاء، لا يريده أن يكون مشوهاً كما يريدون له أن يكون، بل أن يكون حياً؛ لأنه لا ينبغي أن يموت مخنوقاً كالوردة في ماء المزهرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.