المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

"المغفلة لـ تشيخوف".. ما أبشع أن تكون ضعيفا؟!!

تم النشر: تم التحديث:

يصف مكسيم غوركي، الأديب تشيخوف، في مقدمته الطويلة لأعمال تشيخوف الكاملة، بقوله: "لقد عاش أنطوان تشيخوف على موارد روحه وكان صادقاً مع نفسه، كان حراً داخلياً، ولم يكن قط يولي اعتباراً لما ينتظره البعض من أنطوان تشيخوف".

يعد تشيخوف، بأسلوبه التفصيلي، من أفضل كتّاب القصة القصيرة على مر الزمان، إنه أستاذها ومن العلامات الفارقة في تاريخها، فهو القائل: "الإيجاز أخو العبقرية"، عاش حياة مريرة بين الفقر والاضطهاد والمرض؛ فقد أُصيب بمرض السل وهو في الرابعة والعشرين من عمره؛ مما جعل كتاباته تميل إلى الحديث عن أصحاب الآلام والمِحن، فقد كان متعاطفاً مع الكادحين والمهمَّشين وتجلى ذلك فى قصص "العازف الأجير" و"المصيبة" و"وحشة" و"هرج" و"فانكا"، وتعد قصته "المغفَّلة" دليلاً على براعته الكتابية.

إن ما أكسبه اللغة السهلة هو قربه من الفقراء والكادحين، كتب للعامة واضعاً نفسه موضعهم، فكان هو القلم الذي يكتب عنهم وعن همومهم حتى إنه جعل معظم أبطال رواياته ومسرحياته من الفقراء والعبيد المستضعفين، فيما جعل في نهاية أعماله النصرة للفقراء والمستضعفين المظلومين.

وفي كل اﻷحوال، فإن السؤال هو: كيف يستطيع تشيخوف أن يبثَّ الحياة في قصصه هكذا؟ كيف يجعلنا نشعر بقطع الأثاث، والحقول، والمدن الصغيرة الفقيرة؟

إن تشيخوف كان طبيباً قبل أن يكون أديباً، فلا غرابة إذاً في أنه استطاع أن يشخِّص أمراض المجتمع ببراعة، كما لو أنه يفحص مريضاً ويلتقط لصدره صورة بأشعة X، ويصف له العلاج.

يتميز تشيخوف بالبساطة المطلقة في أسلوبه القصصي وحتى في شخوص مسرحياته، وحين كان الممثلون يطلبون منه إيضاح كيفية أدائهم أدوارهم كان يؤكد لهم أن كل شيء يجب أن يكون بسيطاً شديد البساطة، وأن الأمر الأساسي هو عدم اللجوء إلى الأسلوب المسرحي المصطنع.

كما أنه يقول إنه أراد تصوير الحياة الحقيقية كما يعيشها الناس العاديون، وأنه "يجب أن تُكتب المسرحية بحيث يأتي فيها الناس ويذهبون، ويتناولون عشاءهم، يتحدثون عن الطقس ويلعبون الورق.. يجب أن يتم تصوير حياتهم كما هي، والناس كما هم في الواقع تماماً، وليس كأنهم يمشون فوق روافع خشبية تستطيل بها قاماتهم".‏

أما قصته "المغفلة"، فيحثُّ بها تشيخوف القارئ على الثورة، لكن بطريقة غير مباشرة، كما تحتوي على قيم أخلاقية؛ وهي ألا يظلم أحد أحداً آخر، وعدم السكوت عن الحق، فهو -كما أسلفت- يحثُّ على الثورة.

ملخص القصة أن يوليا فاسيليفنا مربية أطفال تعمل عند أسرة برجوازية، وعندما دعاها "رب الأسرة" لكي يدفع لها حسابها ويتحاسب معها على فترة الشهرين اللذين عملت فيهما عنده للعناية بالأطفال، يقوم باستفزازها ومعاملتها بغلظة وقساوة، يأكل من نصيبها في المال ويتعمّد في أثناء محاسبتها أن يخصم عليها جزءاً من معاشها، متعللاً بأعذار مستفزة؛ مثل: كسر كوب، دخول لص على المنزل، مرض الأطفال، أيام العطلة، فيخصم منها أكثر من ثلاثة أرباع المبلغ المتفق عليه مسبقاً.

إلا أن يوليا لم تردَّ عليه سوى بكلمات خافتة، كان مقاطعاً لها ومتابعاً مشاهدته لها وهي مرتعشة اليدين ومترقرقة عيناها بالدموع، في حالةٍ وصفها الكاتب بالخوف والألم، حتى انتهى من الخصومات بنقص كبير في معاشها لم تردَّ عليه يوليا غير بكلمة "شكراً"! ما استفزه وأغضبه كثيراً.. شكراً على ماذا؟! على ما نهبتُكِ.. على ما سلبتُك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكراً؟! لماذا لا تدافعين عن حقك؟ لتجيب بأن "غيرك لم يعطني شيئاً".

وبعد التشويق في القصة، يفاجئنا تشيخوف بأن ربَّ الأسرة لم يأكل حقها في المال؛ بل أعطاها حقها كاملاً، إنما أراد أن يلقنها درساً لا تنساه؛ وهو أن تطلب حقها من الآخرين دون استحياء.

تشيخوف بارع في إيصال أفضل الأفكار، يواجه القارئ بالأحداث والشخصيات وجهاً لوجه ثم يترك له حرية التصرف، وأقصى ما يفعله أن يُبقي القارئ في حالة توتر عصبي، يفاجئه بتفاصيل صغيرة دون عبارات توضيحية.

كما أن اللعب على سبر الحالة النفسية لأبطال القصص يجعل المرء يدرك تماماً أية حساسية يمتلكها الكاتب حتى استطاع إظهار الشخصيات بهذه الدرجة من التشريح النفسي العميق، إن شفافية الموقف الذي يظهر مدى بساطة الشخصية في عالم مليء بالقسوة وحب الذات.

في القصَّة، يتوحد جمال الفكرة مع رشاقة السرد المتصاعد بالدهشة إلى ذروة التعجب، فما سكوت يوليا فاسيليفنا، مربية الأطفال، عن حقها وقبولها بـ"الروبلات" القليلة؛ ومن ثم شكرها لصاحب البيت بعدما سلبها أموالها أمام عينيها دون أن تبدي أية شكوى- ما هو إلا عرض لشرائح كبيرة في المجتمع، من السهل على الكثيرين اقتيادها واستغلالها كيفما يشاءون.

فأمثال يوليا يعيشون بيننا، فهي ليست وحدها المغفلة، ثمة مغفلون يتنازلون عن حقوقهم بصمت، ويشكرون الآخرين على الفتات، ربما كنا نحن من نقتات على ما يتفضل به الناهبون والفاسدون؛ ومن ثم نتراجع الخطوة بعد الأخرى عن حقوقنا، نسمح للآخرين بالعبث بمساحات حريتنا ووجودنا، قد تبدأ بطيبة أو تسامح أو غض طرف وتنتهي -بفعل المكر والجشع- إلى سذاجة وغباء وانحسار غير محدود إلى مواطن الصمت الممزوج بالقهر.

القصة تقوم على نظرية مفهوم الصراع الطبقي، ولو تمعنا النظر في القصة فلن نجد ثمة فرقاً بين من يقبل الظلم بحجة قلة الحيلة، وتلك "المغفلة" التي تحدثنا عنها قصة تشيخوف؛ فالمبدأ واحد.

وتشيخوف يتساءل من خلال "المغفلة": "أترضيكم هذه الحياة الوضيعة، لم لا تنتزعون كرامتكم؟ هل يمكن أن نكون عاجزين لهذه الدرجة؟ لماذا لا نحتج؟ لماذا نصمت؟ هل يمكن أن نكون مغفلين إلى هذه الدرجة؟ إننا مساكين لأننا نجعل من أنفسنا كذلك.. وإن الآخرين لا يعطوننا حقنا؛ لأننا نقبل بذلك.

وتقول كذلك شيئاً مهماً؛ ألا ننتظر من الآخرين أن يعاملونا بعدل وإنصاف؛ بل يجب أن نفرض عليهم أن يعاملونا كذلك.. بتخلينا عن ضعفنا وعدم والمطالبة المشروعة بالحق، فمن يتخلى عن حقه مرة سيتخلى عنه للمرة الثانية والثالثة.

ما لفتني في هذه القصة، بالإضافة إلى التجسيد الرائع لهزيمة الذات والمذلة، هو الربط الرائع بين مفردتين مهمتين هما: الضعف، الغباء.. إن الإنسان حين يسمح لنفسه بأن يكون ضعيفاً لا رأي له ولا موقف محدداً ولا يستطيع أن يحسم أمراً من أمور الحياة المتشابكة حوله.. هذا الإنسان الباهت الساذج هو إنسان مغفل بكل ما تحويه الكلمة من معنى؛ إذ كيف يمكن أن نسمي ذلك الإنسان الذي لا لون ولا طعم ولا رائحة عندما يتهمه الآخرون اتهامات باطلة كاذبة ولا يعرف حتى كيف يدافع عن مصلحته الشخصية البحتة في هذا المجتمع الذي يأكل فيه القوي الضعيف بلا شفقة ولا ضمير.

وأتساءل: لماذا لا تطحن الحياة بسنابكها إلا أصحاب القلوب الرقيقة؟! ولماذا لا يقع الغبن والظلم في الدنيا إلا على الضعفاء ذوي الحياء؟! ولماذا قدرُ البسطاء دائماً أن يكونوا على موائد اللئام؟! وإلى متى سيبقى هؤلاء الطغاة، البغاة، سارقو الأقوات والأعمار، على صفاقتهم؟!

كتب المفكر الفرنسي لا بواسييه في القرن السادس عشر رسالة بعنوان "العبودية المختارة"، تصدى فيها لآليات الاستبداد وظاهرة استسلام الجماهير لطغيان أفراد "لا هم بهرقل ولا شمشون"، وتساءل بمرارة، مستنكفاً الخنوع والذل، قائلاً: "أي تعس هذا؟! أي رذيلة؟! أو بالأحرى أي رذيلة تعسة؟! أن ترى عدداً لا حصر له من الناس، لا أقول يطيعون؛ بل يخدمون، ولا أقول يحكمون؛ بل أقول يُستبد بهم، لا ملك لهم ولا أهل ولا نساء ولا أطفال؛ بل حياتهم نفسها ليست لهم، يحتملون السلب والنهب وضروب القسوة..!".

إحسـاس مخيف أن تكتشف موت لسانك عند حاجتك للكلام، وموت قلبك عند حاجتك للحب والحياة، وجفاف عينيك عند حاجتك للبكاء، وأنك وحدك كأغصان الخريف عند حاجتك للآخرين.

الأرض ليست ساحة للعدل ولن تكون.. و"المغفلة" صرخة في وجه كل مستكين يقبل الظلم والضيم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.