المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

"الأشياء تتداعى".. وآلام لا تموت

تم النشر: تم التحديث:

الأدب فن غير محايد مهما حاول أن يتجرد من انتمائه السياسي أو الأيديولوجي، ذلك أنه يعبر عن رؤية فكرية، عن تصور للكون والإنسان والحياة، يسعى إلى ترسيخ مفاهيم أو تغيير مفاهيم، مستغلاً قدراته النفسية والجمالية لإحداث هذا التغيير، فالكتابة عملية استرخاء نفسي تحرر الكاتب من توتره..

يقول ميخائيل نعيمة في مقالة له بعنوان "ماهية الأدب ومهمته": "وإذن فمهمة الأدب هي التعبير عن الإنسان وكل حاجاته وحالاته تعبيراً جميلاً صادقاً من شأنه أن يساعد الإنسان على تفهم الغاية من وجوده، وأن يمهد الطريق إلى غايته. وإذن فللأدب رسالة سامية، وكل من أنكر على الأدب رسالته كان مارقا من الأدب"..

إن الأدب ليس مجرد قصة نقرأها ثم ننساها، إنه يلعب دوراً هاماً في حياة الإنسان والمجتمع، الأدب الجيد يساهم في تغيير رؤيتك لذاتك وللأشياء وللعلاقات الإنسانية والعالم ككل. هذا هو دور الأدب، أنا لا أتحدث عن وظيفة تعليمية أو تربوية، لكن وظيفة معرفية بالمعنى الفلسفي للمعرفة.

اعتاد الأدب، وخاصة الروائي منه، التنبؤ بالتغيير الاجتماعي، فلا غرو أن الأدب تجسير لعلاقة الإنسان بالعالم، فهناك علاقة عضوية بين الأدب والمجتمع.

الإبداع الأدبي لم يعد يقف عند حدود الجمالي أسلوباً وبياناً، فقد شكل في كثير من الأحيان أصوات المقموعين ووجودهم وإثباتاً لهوياتهم، فقلم الكاتب هو لسان القارئ، وليس من قبيل المصادفة أن يتصدر الأدباء والمفكرون المشهد في كل زمان يُعَّبِدون الطرق ويَبسِطونها لما يجيش الصدور، يحملون قناديل الحكمة لتضيء الطريق، إن الصعوبة التي يواجهها المرء حين يحاول الإجابة عن سؤال لأي شيء يصلح الأدب؟ تتعلق في جزء كبير منها بمقاربة جدوى الأدب والحاجة إلى ضرورته.

إن قيمة الأدب لا تكمن في محاولة بيان كيفية انتصار المثال على الواقع، بل في العلاقة التي يقيمها الأدب مع تعدد الواقع في الزمن والمكان، الأدب يحتاج إلى بيئة مناسبة ليؤتي أكله، إنه يحتاج حد أدنى من الحرية، حرية الفكر والتعبير بأشكاله، فالحرية هي مرادف للإبداع..

والرواية اليوم بأشكالها المختلفة هي سيدة الفنون الأدبية الحديثة، "أشياء تتداعى" واحدة من الروايات الإفريقية الأكثر شهرة وتصنف على أنها من الأدب الإفريقي الحديث، للكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي، وإحدى علامات الرواية العالمية المعاصرة البارزة؛ كونها تعالج موضوعات مثل القومية، والهوية الإفريقية، والاستعمار الإنكليزي في دول إفريقيا والتبشير بالمسيحية وسط القبائل الوثنية، يصور أتشيبي حياة هذه القبائل وكيف تحدت الإنكليز وبعثاتهم التبشيرية، والرجل الأبيض غاية في الذكاء، جاء بدينه في هدوء وسلام فسمحنا له بالبقاء، حتى تمكن من استمالة إخوتنا إلى جانبه وما عادت في قدرة عشيرتنا الاتحاد، وعمل المبشرين يتم في الخفاء حتى تنتشر المسيحية وتستسلم المجموعة الباقية على الوثنية؛ إلا "أوكونكو" بطل الرواية يقرر أن يحارب الرجال البيض وحده..

تدور الأحداث حول أوكونكو بطل "أشياء تتداعى" إنه رجل قوي شجاع طويل القامة ذو حاجبين كثيفين وأنف عريض، ضخم البنية، طويل القامة، أب لسبعة أطفال من ثلاث زوجات، ورغم أنه عصبي المزاج فإنه لم يكن رجلاً قاسياً فهو يحب ابنته الكبرى ويشعر بالفخر بابنه الأكبر الذي كان يرى فيه والده، جاد ومجتهد، يسعى للتسيد في قومه والحصول على الألقاب التي تكفل له الاحترام بينهم، عن طريق إثبات قوته كونه مصارعاً صلباً ومحارباً شجاعاً، يعمل على زراعة أرضه وحصاد محصوله وإكثار ثروته "المال والبنون"، تصف الرواية مجرى حياته من خلال التزامه الصارم بتقاليد قريته، وإيمانه الراسخ بمعتقداتها المخلصة لديانة تتمثل في تقديس أرواح الآباء والأجداد، وتقديم القرابين لآلهة متعددة، خاصة وعامة.

ومن تلك المعتقدات أسبوع السلام الذي يمتنع فيه أي شخص عن أذية الآخرين ولو بكلمة سوء، وإلا غضبت ربة الأرض ومنعتهم الحصاد، والشجرة التي تعيش فيها أرواح الأطفال بانتظار أن يولدوا وتأتي إليها النساء الشابات الراغبات في الأطفال ليجلسن في ظلها، وغابة الشر التي يمنحها الأهالي للمبشرين، معتقدين أن الأرواح الشريرة التي تسكنها ستقضي عليهم.

ورغم رسوخ تلك المعتقدات، كان للدين الجديد الذي أتى به هؤلاء المبشرون مع المستعمرين أثر كبير في قلب عالم أوكونكوا رأساً على عقب.

يقتل أوكونكو أحد أفراد قريته عن طريق الخطأ، ما يستوجب عقوبة النفي في قانون الإيبو، وأثناء فترة نفي أوكونكو، التي تستمر لسبع سنوات، تصل طلائع البعثات التبشيرية البريطانية إلى القرية، وبعد عودته من المنفى يرى أوكونكو أن قريته قد تبدلت تماماً ولم تعد كما كانت، فالمبشرون أقاموا الكنائس وعسكروا داخل القرية، وتدخل المستعمرون في كل شيء وفرضوا وجودهم.

يرى أوكونكو في المستعمرين البريطانيين خطراً على جماعته، وأعلن عن رغبته في قتالهم، ولكنه يجد نفسه وحيداً فلا أحد في القرية يدعمه ويقف إلى جانبه حتى صديقه أوبيريكا يقول له: "لقد استطاع الرجل الأبيض كسب ود أهل القرية ولم تعد هناك رغبة في قتالهم، ورغم أنه اكتشف أن أفراد القبيلة تغيروا وأصبحوا جبناء فإنه رفض التسليم بهذا الواقع الجديد فيقوم بقتل المبعوث الذي أرسلته الإدارة الاستعمارية، ليحكم عليه بالإعدام، ورغم اعترافه بجرمه فإنه يرفض الخضوع لقانون المستعمر ويفضل الانتحار، بعد أن يجد أن الأمور قد تغيرت ولم تعد كما كانت، وأنه ليس باستطاعته أن يتماشى مع هذا العالم فيسقط ويتداعى بما يمثله من قيم، فكل الأشياء منحوله تنهار وتتداعى...

الموضوع الأساسي الذي تركز عليه الرواية هو أثر الاستعمار الأوروبي والثقافة الغربية على طريقة الحياة في إفريقيا عامة ومجتمع الإيبو في نيجيريا بوجه خاص، لقد تناول أتشيبي المخلفات المأساوية للاستعمار البريطاني ووثق انهيار الحياة القبلية التقليدية في وجه الوجود الاستعمارى البريطانى فى نيجيريا، تشينوا أتشيبي كمقاتل فكري ومستفز يتوجه في هذه الرواية إلى القراء الغربيين، وخاصة قراء جوزيف كونراد في روايته "قلب الظلام"؛ لأن كونراد صوّر إفريقيا بصورة سلبية، حتى إنه يتهمه بأنه عنصري بامتياز، الفكرة الأساسية في الرواية إثبات وجود ثقافة إفريقية خلافاً لما تزعمه الحضارة الأوروبية التي تدّعي أنّ إفريقيا قارة متوحّشة تسكنها مجموعة من البدائيين، فحرص على الحديث على عادات قومه الاجتماعية "تعدد الزوجات، الأعياد، الاحتفالات الدينية وتقديم القرابين، استشارة الكاهنة، مواسم الحرث، والحصاد، منافسات في المصارعة ومعاهدات الصلح بين القبائل، وقوانين الرهائن..".

يكتب أتشيبي روايته بإنكليزية تتخللها أسماء لأشخاص وأماكن وآلهة بلغة نيجيرية محلية، ولذلك فتجدها أسماء صعبة القراءة غريبة الوقع على الأذن، وربما يجد القارئ ذلك أمراً يمكن التغاضي عنه في مقابل المتعة التي يجدها وهو يقرأ عن الخرافات والأساطير التي تؤمن بها قبيلةٌ نيجيريةٌ في ذلك الوقت، فجعل من الرواية مرآة ينظر فيها الإفريقي ليرى نفسه أنه ليس ذلك الهمجي الذي وصفه المستعمر، ويرى إفريقيا غنية بالتراث والثقافات واللغات، فيعرف أنها ليست أرضاً بلا ماضٍ أو ثقافة أو هوية، كما واظب الفكر الاستعماري على تصويرها.

من المؤكد أن أتشيبي كان يعاني صراعاً نفسياً، ودليل ذلك أنه غيّر اسمه الحقيقي ألبرت تشينو الوموجو أتشيبي إلى أتشينوا أتشيبي؛ ليعكس بذلك ارتباطه بأصوله الإفريقية وهويته المنتسبة للإيبو، أكبر القبائل النيجيرية، إنها قصة مكابرة إنسان من العالم الثالث متمسك بتراثه، ولكنه تمسك فردي لا جماعي ينتهي بالاندحار.

إن أبرز ما أثّر في أتشيبي ذلك الصراع بين الهوية التي فرضت عليه وهويته الأصلية؛ كونه إفريقياً، والرواية تكشف أساليب الاختراق والقمع والتشويه للتراث النيجيري وتكالب المؤسسة العسكرية والاقتصادية والدينية الأجنبية على زعزعة الكيان الإفريقي، إنها تكتسب مصداقيتها من كونها لا تقدم الصراع على أنه صراع بين خير إفريقي وشر أوروبي، بل تشرح عملية الغزو الذي يتم على جبهات مختلفة يستغل الثغرات في الكيان الإفريقي وثقافته؛ ليمتلكه، ليمحوه، لا ليتفاعل معه أو يستفيد منه كونه رافداً حضارياً، فالتغييرات التي تطرأ على المجتمع النيجيري بعد الغزو الإنكليزي والتبشير المسيحي تجعل من استمرارية القيم أمراً مستحيلاً، ورغم أن الرواية تبين العجز الإفريقي فهي تفضح آليات الاستعمار الذي يستخدم القوة لإرساء هيمنته.

لا عجب إذن فى اختيار هذا الاسم للرواية "الأشياء تتداعى" أو الترجمة الحرفية "عندما ينهار كل شيء"، فقد انهار بالفعل كل شيء، حتى انتهت بقيام البطل "أوكونكو" بقتل نفسه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.