المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

تركيا والاتحاد الأوروبي... العلاقة الحائرة

تم النشر: تم التحديث:

ظل موضوع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لفترة طويلة يعامل على أنه موضوع على هامش عملية البناء الأوروبي، لكن هناك إصراراً تركيا وتمهلاً أوروبياً ما دعا أردوغان ليقول: "لقد استنفدنا الصبر والطاقة في اللهاث وراء أوروبا...".

تركيا بحاجة إلى الاتحاد الأوروبي، وترغب بعضوية كاملة معه و"ليس" شراكة مميزة، الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تركيا، و"يرغب" بشراكة مميزة معها و"ليس" عضوية كاملة... إنها بالفعل علاقة حائرة.
يقول الأتراك إنهم أحد أفراد العائلة الأوروبية، ويعتبرون أوروبا هي البيت المشترك تجمعنا فيه المبادئ والقيم المشتركة، لكن الإشكالية تكمن في أن تركيا بلد إسلامي ليبرالي يتجه في نظرته إلى الغرب كمثل أعلى كما أراد كمال أتاتورك، وهي حليف استراتيجي للغرب وعضو في حلف الناتو، عملت الكثير من الإصلاحات السياسية والقانونية لتلبية شروط الدخول في الاتحاد الأوروبي، وبالرغم من ذلك فإن جميع المحاولات التركية باءت بالفشل، ولم تؤد إلى انضمامها إلى هذا الاتحاد حتى الآن.

عندما ينظر الساسة الغربيون إلى أخطائهم، ربما يكاد يكون العناد والمكابرة ضد إدخال تركيا إلى السوق الأوروبية المشتركة أكبر أخطاء السياسة الأوروبية تجاه تركيا، هنا يختلط السياسي بالأيديولوجي، رغم أن ذلك العناد أفاد تركيا اقتصادياً وسياسياً كما لم يتوقع الغربيون أنفسهم.

تركيا اليوم تعيش حالة جدلية بين "الاستيعاب/الاستبعاد" والتي تعني إما الانضمام بعد مسيرة طويلة وشائكة مليئة بالشروط التعجيزية إلى الاتحاد الأوروبي في زمن حزب العدالة والتنمية الذي غيّر من وجه تركيا والاقتصاد التركي كثيراً، بفضل السياسات الاقتصادية الناجحة التي تنتهجها الحكومة التركية.

إن مسألة احتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد لم تعد تشغل حكومات الدول الأعضاء الحالية وحدها، بل أضحت قضية تشغل الرأي العام الأوروبي، وتستحوذ على قدر كبير من الجدل في وسائل الإعلام؛ حيث تختلف آراء الأوروبيين، فبينما تنظر بعض الحكومات بإيجاب إلى مسألة انضمام تركيا، يتوزع الرأي العام في بلدانها ما بين الرفض والسلبية والتردد وعدم الترحيب بذلك الانضمام.

لكن ما الأسباب وراء عدم انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حتى اليوم؟

ــ الإسلاموفوبيا المترسبة في نفوس الأوروبيين؛ حيث يرى الأوروبيون أن تركيا هي امتداد لدولة الخلافة الإسلامية، ما يشكل خطراً على دول الاتحاد.

- التعداد السكاني الكبير لتركيا، ما يعطيها ثقلاً بشرياً هائلاً، والخوف من الهجرة الجماعية للعمال الأتراك إلى أسواق العمل في دول الاتحاد التي تعاني من نقص في عدد السكان، وبالتالي تغيير المعادلات الديمغرافية الداخلية لهذه الدول.

ـ تركيا ليست بلداً أوروبياً؛ حيث إنها تقع في قارة آسيا، فباستثناء مدينة إسطنبول، فإن أراضي الجمهورية التركية تقع في قارة آسيا، فبانضمام تركيا لدول الاتحاد، فإن حدود أوروبا ستصل إلى الشرق الأوسط.

ـ المجتمع التركي مجتمع مسلم يختلف كل الاختلاف عن المجتمعات الأوروبية المسيحية، وبالتالي استحالة تقبل تركيا في الاتحاد بسبب الفروق الثقافية.

ـ الصناعة التركية؛ حيث يرى الأوروبيون أن تركيا ستكون لأوروبا كما هي الصين للعالم؛ إذ ستغزو الصناعات التركية أوروبا، كما تغزو المنتجات الصينية العالم، والأوروبيون يريدون أن تكون تركيا سوقاً وليس مصنعاً.

ـ التطور التركي المتسارع وارتفاع نسب النمو في الاقتصاد التركي، وبفضل موقعها بين الشرق والغرب، ما يمكنها أن تكون مركزاً لجذب الاستثمارات على حساب دول شرق أوروبا التي تعاني من سوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.
ـ الخوف من تبوؤ تركيا مركزاً قيادياً داخل الاتحاد، بحيث تصبح مرجعية للمسلمين داخل الاتحاد.

وفي ظل ما تقدم، هناك ثلاثة احتمالات مستقبلية لعلاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي:

1- إما أن توافق دول الاتحاد على انضمام تركيا إليها.

2- وإما أن ترفض هذه الدول الانضمام وتبقى العلاقات التجارية فقط أو تبني شراكة متميزة كما يرغب الأوروبيون.

3- الاستمرار في تأجيل الانضمام التركي العقد تلو الآخر.

في اعتقادي فإن الاحتمال الأول صعب المنال، وهذا ما تصرح به معظم دول الاتحاد.

ما هو الاتحاد الأوروبي؟

بتاريخ 9/5/1950 دعا وزير الخارجية الفرنسية روبرت شومان إلى إنشاء "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب"، باعتبارهما مادتين أساسيتين في صناعة أدوات الحرب، من عضوية كل من فرنسا وألمانيا الغربية لتطوير آلية للتعاون السلمي بينهما، ومنع قيام حرب جديدة بينهما على أن يترك الباب مفتوحاً للدول الأخرى. وهكذا تمّ توقيع "معاهدة الجماعة الأوروبية للفحم والصلب" في باريس في 18 أبريل/نيسان 1951 بين كل من فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا، اللكسمبورغ وإيطاليا. كانت جهود الاندماج الأوروبي على الصعيد الاقتصادي تسير بوتيرة أسرع منها على الصعيدين العسكري والسياسي، فتمّ توقيع معاهدة روما في 25 مارس/آذار 1957 وإنشاء الجماعة الأوروبية التي ضمت جماعة الطاقة الذرّية الأوروبية التي يطلق عليها اختصاراً اليوراتم والجماعة الاقتصادية الأوروبية التي دخلت حيّز التنفيذ في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1958.

انضمت إلى الجماعة الأوروبية في العام 1973 كل من بريطانيا، الدانمارك، وأيرلندا. وفي يناير/كانون الثاني 1981 انضمت اليونان. في يناير/كانون الثاني 1986 انضمت إسبانيا والبرتغال، في يناير/كانون الثاني 1995 انضمت السويد، فنلندا والنمسا، في مايو/أيار 2004 انضمت بولندا، المجر، سلوفاكيا، سلوفينيا، جمهورية التشيك، لاتفيا، ليتوانيا، استونيا، قبرص ومالطا، وفي يناير/كانون الثاني 2007 انضمت رومانيا وبلغاريا.
قامت الجماعة الأوروبية بتدعيم مجالات الاندماج؛ إذ أنشئت آلية للتعاون في العام 1970 في مجال السياسة الخارجية، أقيم النظام النقدي الأوروبي في العام 1979 لتحقيق الاستقرار المالي بين الدول الأعضاء، واستكمل مشروع السوق الموحدة عام 1987 بنهاية عام 1992. وقّعت "معاهدة ماستريخت" أو معاهدة الاتحاد الأوروبي في 7 فبراير/شباط 1992، التي دخلت حيّز التنفيذ في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1993 أعطت للجماعة اسمها الجديد وهو "الاتحاد الأوروبي" ودعّمت الوحدة الاقتصادية والنقدية والسياسة الخارجية والأمنية والسياسات الداخلية. وأنشأ البنك المركزي الأوروبي في يوليو/تموز 1998 في مدينة فرانكفورت الألمانية، وتم إصدار أول عملة أوروبية موحدة "اليورو" في يناير/كانون الثاني 1999.

تقدمت تركيا بطلب لعضوية الجمعية الأوروبية عام 1959 وقبلت فيها عام 1963 بتوقيع اتفاقية أنقرة، ثم تقدمت بأول طلب رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي في 14 أبريل/ نيسان 1987، ووقعت معه اتفاقية اتحاد جمركي في 31 ديسمبر/كانون الأول 1995، وفي قمة هلسنكي التي عقدت يومي 1999 تم الاعتراف بتركيا رسمياً بصفة مرشحة للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي..ومنذ العام 1959 إلى يومنا هذا، حوالي أكثر من 60 عاماً، وتركيا تحاول الانضمام للاتحاد الأوروبي بشكل كامل، وعلى الرغم من إبدائها نجاحات ملموسة في جميع المجالات التي طلبها ويطلبها منها الاتحاد الأوروبي، فإن الأخير يبدو غير جاد في قبول دولة إسلامية تحتوي على 80 مليون مواطن مسلم، على حد تعبير عبد الله غُل الرئيس التركي الأسبق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.