المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منير إبراهيم تايه Headshot

"3 بجعات برية" صينية.. رواية سياسية ببعد اجتماعي

تم النشر: تم التحديث:

600 صفحة قرأتها على مهل في تسعة أيام.. أقرأ نهاراً وأترك الليل لأفكر بما أقرأه في النهار وأتصور حجم المأساة والظلم والقهر الذي يمكن للإنسان الطبيعي أن يتحمله.. وأجزم بأن الصينيين الذين تحملوا هذا الكم الهائل من الألم الجسدي والنفسي والفكري وبكل هذه البشاعة ليسوا طبيعيين..

رواية يجب أن يقرأها كل إنسان ليعرف أن النجاح يأتي فقط من رحم المعاناة.. كتبت على يد فتاة عاشت الفترة لحظة بلحظة.. تحدثت ابتداءً من حياة جدتها ثم استفاضت بالحديث عن المرحلة التي عاشت فيها أمها وكان لها نصيب الأسد.. وأخيراً تحدثت عن حياتها ومعاناتها أيام الثورة الثقافية بأسلوب سهل وبسيط وغير متكلّف ومشوّق.. والترجمة خدمت النص كثيراً.

حين يكون الأدب شاهداً على هذا الجحيم الذي مر به شعب خرج من عبودية الإقطاع الفردي إلى عبودية الشيوعية الجماعية وفترة الحرب بينهما أم هي تلك الحياة البائسة التي عاشتها أجيال تخرج من مطب إلى منزلق.

حين ذلك قررت الكاتبة وهي ابنة مخلصة تربت على تعاليم الثورة الثقافية لماو وابنة لأكبر المسؤولين في الحزب الشيوعي الذين نذروا حياتهم للحزب أن ذكرياتها قد عتقت وأنها لن تستطيع أن تتحمل عبئها وحدها بعد الآن.. لتحملنا بعضاً من الألم الافتراضي.

الرواية تحكي تاريخ الصين من بدايات القرن العشرين الى نهاية الثمانينات، ثلاث نساء يمثلن نساء الصين عبر ثلاثة أجيال.. الجدة التي فتحت لنا أبواب الصين التي يحكمها أسياد الحرب، حيث تعيش الجدة كجارية لأحد قادة الحرب بعد أن باعها أبوها دون رحمة تحت نظام الجواري.. تتمرد في النهاية وتختار طبيباً تكمل معه حياتها مع ابنتها لنكمل معها مسيرة التاريخ والتي عاشت في ظل الاحتلال الياباني العنيف والخوف الذي استقر في نفوس الناس جعلهم يحلمون بالبطل الهمام الذي يخرج اليابان من أرضهم ويزيل الذل والمهانة التي طبعت حكم الكومنتانغ الراغب في ترسيخ حكم الإقطاعيين فلم يجدوا سوى ماو تسي تونغ، زعيم الحزب الشيوعي الذي فرض سيطرته على الصين، فتسطر الكاتبة هذه المرحلة بدقة متناهية نتتبع فيها مسيرة أسرة يونغ شيان ومصير والديها في ظل مزاج ماو النرجسي وزمرة الأربعة وهي العصابة التي تضم زوجته وحاشيته والتي عرفت بهذا الاسم فيما بعد, حيث يعتبر هذا الكتاب نقداً صريحاً لتلك الفترة, عمد ماو الى قطع الصلة مع الصين القديمة الطراز فأطلق دعوته الجديدة في اطار ما عرف بالثورة الثقافية.

ما يجعل من رواية "بجعات برية" كتاباً غير ممل سياسياً تركيز الكاتبة على البعد الانساني أكثر من السياسي، كما أن الاسئلة التي طرحتها من خلال العودة الى التاريخ وتاريخ أسرتها تحديداً, العنف وأسبابه وكيف يستطيع الإنسان أن يتجرد من إنسانيته فيقتل ويهين ويغتصب دون أن يرمش له جفن.

أعتقد تماماً أن رواية 1984 لجورج اورويل تجسّد وتشخّص بكامل تفاصيلها مع ماو تسي تونغ حين يصبح الإنسان مجرد آلة لا لسان ولا روح ولا عقل..

الصدمة والدهشة والذهول ثلاث حالات انطبعت داخلي وأنا أقرأ "بجعات برية" وأسأل نفسي بعد كل هذه المعاناة التي قرأت عنها هل سأجرؤ على التذمر بعد اليوم.

وعلى الرغم من طول الرواية التي تتعبك وتحتجزك لأيام في دورتها لثلاثة أجيال إلا أنك تجد فيها سيرة ذاتية غنية بالتفاصيل الاجتماعية تتجنب الحشو فهي في عرضها للأحداث لم تدافع ولم تمجد أياً من الفكرين اللذين عاشت بينهما، ولعل دراستها وعملها كأكاديمية للسانيات في جامعة لندن بعد خروجها من الصين التي تغيرت أيضاً جعل سردها عقلانياً يصف ولا يحاكم، ويجعلك تشمئز بعقلك لا بعواطفلك، يجعلك تتأمل وتتأكد من أن التطرف في كل زمان وظرف لا يولد غير الحرب والدمار ومصادرة حق الإنسان في أن يكون منفرداً ومختلفاً ومميزاً.

إن لم تكن قرأتها فقد فاتك الشيء الكثير سواء كنت مهتماً بالأدب أو السياسة أو الدين. أو كنت ممن يبحث عن المعرفة في غلاف أدبي أو مثقفاً ينهل من كل الينابيع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.