المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى كمال هاشم  Headshot

البحث عن السعادة

تم النشر: تم التحديث:

منذ بضعة أيام، وضعت على حسابي صورة التقطتها وأنا مشغولة البال بأمر ما.

فاقت الصورة كل توقعاتي، خاصة أنني قد أخذتها بعدسة هاتفي المحمول.. السرور الذي ملأ قلبي وأنا أتمتع بخلق الله، ثم لاحقاً وأنا أكتشف جمال الصور، رفع مؤشر الطاقة الإيجابية عندي إلى أعلى مستوياته..ورزقت سعادة، حتى وإن كانت قصيرة المدى، إلا أنها أثرت على مزاجي العام طوال اليوم؛ لذا فكرت أن أشارككم بعض خواطري عن السعادة.

ذات مرة كنت في متجر أبتاع شيئاً، ومرت بجانبي أسرة آسيوية الملامح، معها طفلة صغيرة.. ولسبب لا أعرفه، فقد خطت الطفلة نحوي وابتسمت لي ومدت يدها، وبلا تفكير مددت لها يدي، فقبضت عليها بكفها الصغير.

ضحك الأب والأم وحاولا جذب ابنتهما إلا أنها أبت وظلت بجانبي تضحك، جثوت إلى جانبها أداعبها، وضحكت لها وتركت يدي معها إلى أن أرسلتها هي، وعلى باب المتجر لوَّحت لي مودعة! يا الله.. لن أصف لكم الحبور الذي أعطته لي تلك الصغيرة.

السعادة لا تنحسر فقط في منظر بديع، إذ ربما كتب على الإنسان أن ينمو في بيئة يصعب معها التمتع بمناظر الطبيعة.

مفهوم السعادة يتسع ليشمل أنواعاً أخرى قد يظنها البعض تفاهات، لكنك إن أمعنت التفكر والتأمل فيها، تجدها سعادة:

نصف ساعة من اللعب البريء مع طفلك، يضحك فيها من أعماقه فتسري عدوى الضحك إليك، تلك سعادة.

لقمة خبز تضعها لقط جائع، فيموء شاكراً لك، تلك سعادة.

قراءة كتاب كنت تود قراءته منذ زمن ولم يسعفك الوقت، ثم تنتهي منه وفي جعبتك الكثير من الأفكار، تلك سعادة.

إنجاز عمل من أعمال المنزل، كترتيب خزانة مثلاً، تلك أيضاً سعادة.

جلسة شاي في شرفة منزل بحي شعبي، تلقي فيها السلام على الرائح والغادي، هي سعادة.

إتمام حفظ سورة من القرآن الكريم والتدبر في كل آية منها، تلك سعادة.

زجاجة ماء تناولها لشخص في يوم حار، تلك سعادة، ابتسامة رضا من عميل أنجزت له عمله، تلك سعادة.

وصفة طعام تنجح في طهيها بعد عدة محاولات فاشلة، هي سعادة.

لا يهم إن طال وقت الإحساس بالسعادة أو قصر، المهم هو الأثر الذي تتركه في النفس، فكل شيء في الحياة مهما طال فهو قصير.

لكن، من المهم أن تكون سعادتك فيما لا يغضب الله، لفت انتباهي فتاة محجبة في إعلان عن سلسلة متاجر يفترض أنها إسلامية، تبيع ملابس نسائية، وقد بدت الفتاة في أوج سعادتها وهي تجرب الموديلات المختلفة، بألوانها المتألقة، وقد غطت وجهها الأصباغ، وبعض الملابس لم يكن موافقاً لشروط الزي الإسلامي، لكن هل هذه السعادة ترضي الله؟ قد تكون السعادة في ثوب ضيق، أو دخان سيجارة أو سهرة في نادٍ ليلي...قد تشعر بسعادة زائفة وأنت تهمل صلواتك، أو تسيء إلى شريك حياتك، أو تغش في عملك، وتربح ما لا يحل لك.

قد تنتشي فرحاً ببيت كبير ملكته من حرام، وسيارات أصلها رشوة، وأسفار جلبتها لك المصالح الشخصية وغش الناس، هي أيضاً سعادة، لكنها سعادة تجر إلى تعاسة.

يحدث أن تندفع النفس تحت وطأة المغريات، وتجرب سعادات لا تتوافق مع المبادئ التي تربت عليها، لكن النفس اللوامة التي أقسم بها رب العزة سبحانه وتعالى، هذه النفس تثوب إلى رشدها ولربما ظلت تؤرق صاحبها وهو يتعاطى رشفات السعادة فتفسدها عليه.. حتى ليتمنى الإنسان أن يسكت ذلك الصوت الذي ينغص عليه لذاته، وتستمر المعركة بين شهوة السعادة والنفس، حتى ينتصر المرء لإحداهما.

رزقنا الله جميعاً نفوساً مطمئنة، تقاوم اللذات الماجنة، أو نفوساً لوامة، تداوم تقريعنا إذا ما انفلت عقالنا وانجرفنا نحو سعادات تجر تعاسات.

الله الذي خلقنا، وكتب علينا أن نقاسي في الحياة الهموم والأوجاع، خلق لنا من حولنا ما يسعد أنفسنا ويدخل السرور عليها، غير أنك لا بدَّ أن تكتشف بنفسك ما الذي يسعدك.

لا تحصر نفسك في قوالب جاهزة.. ابحث داخلك عما يجعل أساريرك تنفرج وما يسعد قلبك، خذ الأفكار وجرب ما يماثل ذاتك.

تأمل في نفسك، جرب ولاحظ، وبإذن الله تصل لمفهومك الخاص عن السعادة، مفهوم لا يتنافى مع ما شرعه لنا الله عز وجل.

اللهم ارزقنا السعادة في الدنيا والآخرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.