المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى كمال هاشم  Headshot

الصلاة على أنغام قبرصية!

تم النشر: تم التحديث:

في هذه المنطقة التي تقطنها أغلبية مسلمة، حيث تتوازى البنايات الشاهقة التي تعجّ بالأُسر، وتصخب المصاعد بالأطفال، وتتشارك أكثر من عائلة في الشقة نفسها- يقع مسجد قصتنا هذه.

يجاور المسجد -وإن شئتم الدقة، يلاصقه- مبنى اجتماعي للجالية القبرصية، التي كانت منذ سنوات طويلة تسكن المنطقة، إلا أن الزحف الإسلامي القادم من دولتي باكستان والهند، أجبر العرقيات الأخرى على الانسحاب؛ فتضاءلت أعداد القبارصة واكتفوا بكنيستهم ومبناهم هذا.

في أيام الصيف معتدلة الحرارة، اعتدت أن أرى موكباً صغيراً من عربات بيض، يتخذ مكانه بلا ضوضاء أمام الكنيسة، وينزل من العربة رجال تبدو على ملامحهم الوسامة، يرتدون الحلل السوداء، تصحبهم فتيات ونساء في ملابس السهرة اللامعة وصفٌّ صغير من أطفال ورجال ونساء يدخلون إلى باب الكنيسة، ثم بعد برهة يخرجون ويصطفون للتصوير.

يسود العلاقات بين المسجد والمبنى الاجتماعي نوع من تبادل المصالح؛ فيسمحون للمسلمين بأن يصفُّوا عرباتهم أيام الأعياد في المكان المخصص لمبنى القبارصة، ويسمح المسجد للقبارصة بأن يستخدم ساحة انتظاره في أثناء إقامة تجمعاتهم.

في تلك الليلة، أخذتني قدماي للمسجد لصلاة المغرب، وما إن اقتربت حتى شممت رائحة شواء اللحم وسمعت ضوضاء وصخباً من المبنى. وما هي إلا خطوات حتى رأيت الموائد متراصّة والطباخين يعملون على إعداد الطعام، وجو من المرح يملأ المكان.

سمعت صوت المؤذن، فأسرعت الخطى إلى داخل المسجد.. وبينما الإمام في الركعة الأولى، إذ صدحت الموسيقى، وانطلق المغني ينافس الإمام؛ ذاك يدعو للدنيا الحافلة باللهو، وهذا يقرأ القرآن!

جاهدتْ أذناي لتصغي للإمام، ولكن هيهات.. انتهت الصلاة وانتعلت حذائي وفتحت باب السيدات أنتظر خارجه. كان على يساري مباشرةً باب الرجال، وأمامي بعد السور الصغير الذي يفصل المبنيَين، اصطفت الكراسي وأمامها مسرح صغير، والمغني يصدح بكلماته، على أنغام موسيقى، تتشابه في بعض ألحانها مع موسيقى الأتراك أو تلك التي نسمعها في الموشحات الأندلسية القديمة.

وفي المنتصف بين المسرح والكراسي الممتلئة بالحضور، انخرطت الحسناوات في رقصة تماثل الدبكة الشامية.. فتنة وأي فتنة!

كان الرجال الخارجون من مكان صلاتهم، على يساري، فقُدّر لي من مكاني أن ألمح تعابير وجوههم.. واتسعت الابتسامة على وجهي؛ فمنهم من أسرع الخطى مبتعداً، ومنهم من حملق في المنظر ثم مشى ببطء. أما هذا الذي باغتته زوجته، فقد اضطر إلى مغادرة المكان سريعاً.

وهناك حول عربة أحدهم، تجمّع بعض الشباب يشيرون إلى ما يحدث ويضحكون.. عالَمان مختلفان شاءت الأقدار أن يتجاورا.. في اللحظة نفسها وفي بقعة الأرض نفسها حدثان متضادان تماماً!

غادرت المكان، تسعى خلفي رائحة الشواء، وسرح عقلي في تأملاته الواسعة.. رباه، أكان قدومي هنا درساً لي؛ لكي أتفكر في الدنيا وفتنتها؟!

هي الدنيا المبهجة المتعطرة، تدعونا إليها في كل لحظة، مزينة بالشهوات اللذيذة، وأمامها ديننا وعقيدتنا، تضربنا الفتن فيصعد الإيمان تارة، وتارة أخرى يندحر تحت إغراء الدنيا.. اختبار قاسٍ هذه الحياة، نعمل للآخرة وللدنيا معاً.. يا الله! وتراءت لي الآية في آخر سورة النبأ "ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً"، وارتعد بدني، رباه.. ترفّق بي وارحمني، وثبّتني في الدنيا والآخرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.