المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى عرفات Headshot

من قال أنّ أيّام الأٌمّهات سواسية ؟

تم النشر: تم التحديث:

كلما ودعنا عيد أمٍّ واستقبلنا آخر، عادت إلينا سلسلة المنشورات التي تنادي بنا بأن أيام الأمهات سواء، فهنّ -بزعمهم- لا يحتجن إلى يوم مميز يزداد به اضطراب قلوبهن ولهفة مشاعرهن ولا يرتفع مدى اهتمامنا بهن وسؤالنا عن حوائجهن، وأنا كلما مرّ بي نصٌّ كهذا، تداعت في رأسي ملايين الصور والذكريات التي توسوس في قلبي وعقلي معاً: لا تصدقيهم!

الأمسُ لم يكن يوماً ككل أيام السنة بالنسبة لجدتي التي استقبلت بدموعها المتراقصة نجلها الغالي، عائداً إليها من كل هواجس الفراق التي كانت تراودها طيلة السنوات الأخيرة. الفيزا لم تحترم أيام الأم التي يقولون عنها إنها متساوية، لم ترحم تلك الشوكة في منتصف شريان قلبها المتألم من طول الفراق وظلم الحدود، ولم تأخذ بعيد الاعتبار مرض ابنها الشديد في قلب غربة موحشة.

لماذا لا يقولون للحدود إن أيام الأمهات من المفترض بها أن تكون سواسية؟ لماذا لا ينهرونهم عندما يخفون بريق عيني جدتي الذي نتعرف عليه عندما يلتم شمل قلبها بالتمام أولادها؟ لماذا لا يوسوسون لناصّي القوانين بأن الأم حالة اسثنائية، حالة لا تعرف جنسية ولا لوناً ولا أبعاداً سياسية، لا تعرف أي شيء عن المعاهدات والاتفاقيات، لا تعرف سوى إنسانيتها المجردة، وروابط الحمض النووي الواحد، المنتشر في جسدين!

مع كل هذا، أمام مصاب الآخرين يهون عليك مصابك كثيراً، جدتي قدر الله لها لَأْم جراحها.. لكن ماذا عن كل الأمهات الأخريات؟ ماذا -مثلاً- عن أم صديقي المفقود في معتقلات الأسد منذ خمس سنوات؟ من يذهب إلى أم أحمد بقدونس ليقول لها إن أيام الأمهات سواسية؟ من يحاول إقناعها بوضع أية صورة أخرى لحساباتها جميعاً، سوى صورة مفقودها؟

من يمسح من ذاكرتها خيالات النقوش الأخيرة الدالة على حياته، تلك التي حكى لها ناجون من معتقلات الأسد عنها، عن اسمه المحفور جنباً إلى جنب مع رقمها، وتاريخ اعتقاله، وكأن قلبها تجاوز القيود، وخبّره أنها تتلوى من نار المجهول!

من يقول ما يقولون لكل أمهات المعتقلين والمخطوفين من قبل الأنظمة الفاشية.. من يصبِّح عليها بدلاً عنهم كل صباح، من يُقبِّلها لعودته مساء كل ليلة مستفتحاً -ككل ليلة- سيناريوهات خطبته المكتملة في أحلامها كأنها حصلت؟

من يمسح اليوم من ذاكرتها ألف ليلة سهرتها لمرضه؟.. ألف طلقة مخاض مرت بها حتى استنشقت رئتاه الحياة للمرة الأولى، من سيعودها كل يوم بدلاً عن ابنها، ليطمئنها كل يوم ويضيف من جعبته: "إنْ احتجت أي شيء، فنحن كما ابنك تماماً، حاضرون متى ما حضرت ذكراه"؟

من يهمس في لبنات الزنزانة وحديدها، المعتقل بأن أمهات على الجانب الآخر يقبعن فاتحات أذرعهن طيلة الوقت بانتظار هاتيك الجدران أن تنزع عتمتها عن أبنائهن هل فكّروا للحظة.. كيف يستقبل الشمسَ معتقلٌ يحاول تخيّل رائحة وجنتي أم.. يسائل نفسه عن حالها.. تمر به أيّام لا يشعر فيها بالأسى على نفسه، بقدر ما يحترق من أساها؟! هلّا أعطيتموه "كل يوم" زيارة مفتوحة لأمه المكلوم؟

ثم يقولون إن الابن البار يعود أمه كل حين، ماذا عن الابن البار تحت الطين؟ من يقول لرصاصة اخترقت صدره أن تنتظر، حتى يقبل جفن أهم ويستودع أشباحه لديها لتعودها كل حين؟

من يزور كلّ يوم، أم الطفل حمزة الخطيب؟ من يعودها كل أسبوع برفقة طفله لترى فيه كم كان لابنها أن يكبر؟ من يغيّر انطابعها الأزلي عن الأزرق؟ من يخبرها بأن الأزرق لون البحر، لون السماء، لو الفضاء، لا لون جثة ابنها الطفل الشهيد تحت التعذيب؟ من يحاول إقناعها كل يوم أن الله يبدلنا في الآخرة أجساداً غير هذه الأجساد، وأن فقيدها سيأتي الجنة يوم البعث كامل الأعضاء؟

من يخبر أمًّا قلبت منطق البشرية وأعلنت عداءه للفطرة، فجهزت لابنها السلاح، ونظفت له ملابسه، أعطته قبلة الصباح واستأمنت عليه أرض الوطن ثم سلمته للموت، فإنّه برأيها إن عاش عاد رجلاً حرًّا، وإن مات احتفت به وزفته للحور، من يخبرها بأن ليلة النصر لا تختلف عن هذه الليلة؟

أمي الكبرى.. دمشق..
من يهديك كل صبح زنبقة، وليلكة، وفلّة بيضاء نقية؟

من يعودك كل ليلة ويُكلّمك منتظراً منك ردّك الحاني، يقول لك، نحن لا نزال هنا، نحبّك، وأنني بالرغم من كل ما أنا فيه، لم أنسَك؟

كيف أُسائل الناس عن ترددهم عليك في غير هذا اليوم، وأنا التي كنت أظن نفسي أكبّر عشاقك، لم يخطّ لي حبر ولم تنبس لي شفاة في غرامك منذ زمن؟ كيف للحب أن يلهينا عن الحبيب؟ كيف لي اليوم أن أمدّ لك يدًّا لم تمتدّ إليك منذ أمد بعيد؟ كيف لي أن أضع عينيَّ نصب عينيك، وأقول لك إنّ كلّ أيامك لديّ سواسية؟

لا تصدّقيهم يا دمشق.. ليلة النصر ليست كأية ليلة.. ليلة أحضنك بملء الأمل والصبر، ليلة تتهاطل كل الدموع التي أحبسها اليوم بمنأى عنك حتّى يمتلأ بها بُردي، لليلة أنام مفترشة آلامك الماضية، متغطية بسقف من المستقبل الواعد، خير كلّ الليالي!

لنكن صريحين وصادقين ولو لمرّة واحدة، ليست أيّام الأمهات واحدة، لعل هذا التاريخ بعينه ليس يوم سعد لكثير من الأمهات.. فتّشوا عن أعياد أمهاتكم، وأسعدوهن في يوم تجعلونه لها عيداً مباركاً وسعيداً.. ابحثوا عن أمهاتٍ أعيادهن بعيدة المنال وكونوا لهن عيدهن.

أرسلوا لأوطانكم طرد محبة ليصبح يوم وصوله عيداً قوميًّا لأرض بلادكم،عرّفوها أنه في قلب هذه العتمة لا يزال هناك بعض الضياء، أخبروها أن أعداءها لم يُغِيروا -بعد- على كلّ محبيها، وأننا سرًّا نحمل غرامها بصدورنا، نُهرِّبه على الحدود، نخفيه عن المخبرين، ونَطْمَئِن على سلامته كل حين!

**" ملحوظة من الكاتبة: كثير من المؤسسات والهيئات المرخصة، قاموا مشكورين بعمل حملات لوالدات الشهداء، وحملات أخرى للتبرع بوقف خيري يُهدى للأمهات حتّى يكون عيدهن بالآخرة.. تلك المبادرات تستحق الإطلاع والمرور".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.