المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى أبو النصر Headshot

معناها: "إنتِ ولا شي"

تم النشر: تم التحديث:

بعيدا.. هناك.. فطور أنيق يليق بمطبخ البيت المشمس... حوار شغوف مع الابنة "تالا"... الأم تبتسم رغم مقاطعة مزعجة من نشرة أخبار تصدر عن تلفزيون مجاور "تفجيرات تضرب جنوب كاليفورنيا".. بث على الهواء لتفجيرات تنقل الأم إلى عالم آخر بعيداً عن أنس الفطور.. تسيطر على توترها وتطلب من أبنائها أخذ نفس عميق تشاركهم به.. قبل أن يبدده انفجار ضخم يغير بعده كل شيء.

بعيداً.. في لوس أنجلوس.. هرعت الأم المسالمة وطفلاها من الباب مخلفين وراءهم البيت والسيارة الفارهة بعد أن فعلت النيران بهما الأفاعيل، وحلت البنادق محل رشاشات مياه الحدائق.

آلاف المواطنين الأميركيين يفرون من الحرب إلى الحدود مع المكسيك.. في الوقت الذي يتظاهر فيه آلاف المواطنين المكسيكيين احتجاجاً على زحف هؤلاء اللاجئين، يتكدسون وتضيع الهويات، وتفقد الأم التي تحمل ولدها الصغير طفلتها "تالا" وسط الزحام؛ لتشق "تالا" طريقها للحدود ومنها إلى مخيمات تفتقر لكوب ماء.. تفزع "تالا" للبحر.. تجلس أمامه.. وتنتهي القصة القصيرة المستوحاة من يوميات أسرة لاجئة.

12 دقيقة مدة فيلم let me in أو "دعني أدخل" الذي قامت بإطلاقه وبطولته نجمة البوب الأميركية أليشا كيز، فيلم دشنته في يوم اللجوء العالمي الذي وافق (20 يونيو/حزيران)، وذلك في إطار حركتها "نحن هنا" التي تسعى لنشر الوعي والحوار حول مأساة اللاجئين المقدرين بالملايين حول العالم.

أليشا كيز اعتبرت أن صناعة هذا الفيلم تستهدف دفع المواطن الأميركي لتخيل ومعايشة تجربة اللجوء، ودفعه للتساؤل بعدها: ماذا لو اضطرتنا المأساة لاقتلاعنا من أرضنا وممّن نحبهم؟

أهمية فيلم أليشا لا تأتي فقط كنغمة "نشاز" وسط ازدياد الدعم للأحزاب اليمينية والمعادية لسياسات الهجرة، وتحدي البرامج الانتخابية والحكومية التي باتت تتنافس وتتشدق لإغلاق الحدود ووصم اللاجئين، ولكن في استخدام آلية "المماثلة" أو identification كمدخل نفسي للتعاطي مع قضية اللاجئين، ففي الوقت الذي تعتمد فيه جهود المجتمع المدني والتطوعي على استخدام البيانات والأرقام والمواد الفيلمية الواقعية لمنكوبي اللجوء، لجأ هذا المشروع الفني لتلك الفكرة التي نقلت المواطن الأميركي الآمِن في ولايته إلى عتبات الحدود، منادية مشاهدي الفيلم لزيارة صفحتها والمشاركة في دعم ومساندة اللاجئين حول العالم، معتبرة أن وقفتها تلك تأتي في سياق يشهد فيه العالم أكبر عدد من اللاجئين في التاريخ كله، وأكثر من نصفهم من الأطفال.

*******

استخدم أحد المتطوعين في منظمة "أطباء بلا حدود" فيديو بثه في نفس اليوم الأممي "يوم العالمي للجوء" دار فيه بكاميرته بين عدد من اللاجئين السوريين، تعمد استضافة أعمار مختلفة في تقريره القصير، ما بين سكان الخيام وبين مندمجين في مجتمعات جديدة، سألهم جميعاً نفس السؤال: ماذا تعني كلمة لاجئ؟
الإجابات لم تفرق بين طفل وشيخ، جاءت جميعها مهزومة، عينة عشوائية منها كانت "إذلال.. غريب.. مهان"، وأجابت شابة سورية بخلاصة سيدة جاوزت السبعين من العمر لتقول: "لاجئ.. كلمة وحشة كتير.. معناها إنتِ ولا شي".

الفيديو تمت مشاركته على صفحة AJ+ على فيسبوك، وتداول بكثرة، وكان مرفقاً ببيانات نصية على غرار "في كل دقيقة 24 شخصاً يضطر بمغادرة بيته" و"100 ألف طفل ضاع من أهله خلال رحلة اللجوء".

وفي اليوم نفسه خرجت الأمم المتحدة لتقول إنها المرة الأولى على الإطلاق التي يصل فيها عدد اللاجئين إلى أكثر من 60 مليون شخص.

*******

اللاجئ العالق على الحدود لن يعنيه فيلم قصير ولا طويل، فحياته بأسرها مرهونة بما هو سيادي، توجهات عالمية وحسابات سياسية وشظايا إنسانية، ولكنها حيلة الفنان والمناضل لمواجهة سياسات بلادهم التي حسب المفوض الأعلى للاجئين فيليبو غراندي فإن "الفارين من النزاعات عاجزون عن مواصلة رحلتهم بسبب إغلاق الحدود".

في متن فيلم أليشا كيز استخدمت مقطعاً من أغنيتها الأحدث Hallelujah..Let me in.. التي دارت كخلفية صوتية مصاحبة للطفلة "تالا" وهي توازي الأسلاك الشائكة على الحدود، وتتوه وسط الخيام.. من كلماتها:
هناك ثقب في قلبي حاولت إخفاؤه
طالما كنت قوية رغم فقد البصر
هل من مكان أذهب إليه وحدي حيث يتدفق النهر؟
دعني أدخل..
مع كل خطوة كنت أشعر أنني اقتربت
ولكنني لم أصل بعد
عندما يحتجب الأمل.. احمِني من خوفي
كُن بجانبي..

في النهاية هذه هي المساحة السحرية الفاصلة بين الدراما والواقع.. في السينما تعبر اللاجئة عن مشاعرها بالغناء.. وفي قلب المخيمات الحقيقية تعبر إحداهن عن حالها بلا غناء.. بلا شعر.. فقط "أنتِ ولا شي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.