المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى أبو بكر زيتون Headshot

لعبة الدين والسياسة "1"

تم النشر: تم التحديث:

هناك مبدأ رئيس في السياسة يقول: "فرّق تسُد". فكيف والفُرقة قائمة أصلاً؟ ولطالما استثمر ‏السياسيون عبر التاريخ الاختلاف العقدي والتمذهب الفقهي في تدعيم دولهم.‏

منذ أن حدثت الفتنة الكبرى بين المسلمين، وما تلاها وصولاً إلى بغي معاوية بن أبي سفيان على سيدنا عليّ، تصدّعت وحدة المسلمين، وانقسموا إلى حزبين، ثم ظهر الخوارج وافترقوا فرقاً، وظهر تصنيف السُنة والشيعة في مرحلة تالية على خلفية الحوادث السياسية والموقف منها، ثم ظهر أئمة الإسلام وتحلّق الناس حولهم لينتفعوا بعلمهم، وأصبح لكل واحد منهم أتباع، ثم دَرست مذاهب بعضهم، وبقيت مذاهب آخرين، وصار البيت الإسلامي ممزقاً إلى فرق، بين كل منها والأخرى درجات من التقارب من حيث العقيدة والفقه تزيد وتقل، ليتحدد من خلالها درجة التطرف المحتملة بين أتباع كل منهما.

وبالحديث عن التطرف، سنجده ينقسم من حيث الفاعلون له، إلى تطرف عوام الناس، وتطرف كبرائهم؛ الذين هم الأمراء والعلماء. وحقيقة الأمر أن العوام لولا هؤلاء الكبراء ما تطرفوا. ولكل مذهب عقدي أو فقهي رأيه في كل مسألة؛ بل وأحياناً يختلف العلماء تحت مظلة المذهب الواحد؛ ومن ثم فالتنافر بين العلماء قد يكون مفهوماً، خاصة مع نقص التسامح، وزيادة التحاسد فيما بينهم.

أما بالنسبة للسياسيين، فأحياناً يسلكون مسلك عوام الناس في التعصب لمذاهبهم، والتطرف ضد مخالفيهم؛ بسبب ما فهموه من مشايخهم، وأحياناً يستغلون التمذهب لتوطيد ملكهم؛‏ فكثيراً ما كانت تبرز الخلفيات السياسية وليس الدينية وراء دعم الخلفاء والأمراء لمذهب واضطهاد آخر.

كما اختلفت أساليب السياسيين في الترويج لما يرغبون من مذاهب، ما بين أساليب تعليمية تثقيفية بإقامة المدارس وترسيم كبار العلماء لتدريس العقيدة والمذهب الفقهي، وأساليب قمعية بفرض ‏المعتقدات جبراً، أو موالاة من يدينون بعقيدته أو مذهبه، ورأينا عبر تاريخنا أمثلة على كل أسلوب ‏منها.‏

في عهد الأمويين، اضطُهد أهل العراق باعتبار أغلبهم متشيعين لسيدنا علي، رغم أنه لم يلقَ منهم نُصرة حقيقية تليق بالاسم الذي أطلقوه على أنفسهم، وأرسل إليهم الأمويون المُبير الحجاج الثقفي حاكماً؛ ليُخرس أي ثورة ظنوا أنها قد تنشب من بينهم. وكانت المذاهب الدينية لم تتشكل بعد، حيث كان اسم الشيعة مصطلحاً سياسياً ليس له مدلول ديني. كما حارب الأمويون الخوارج، مثلما فعل كل خلفاء وملوك المسلمين بدءاً من سيدنا علي، وكانت حربهم ضد الخوارج، لتكفير الأخيرين إياهم.

ثم بزغ نجم بني العباس، وملكوا. وكان أساس دعوتهم لأنفسهم أن العم أولى من البنت؛ لذا فهم أحق بالخلافة، التي لم تكن في حقيقتها سوى ملك. من ثم، كان من مصلحتهم أن ينتشر علم الأئمة من غير العلويين؛ كي لا ترتفع أسهم العلويين لدى العامة، وربما كان للعباسيين قدم السبق في تشكيل ونحت وبلورة مفهومي (السُنة/الشيعة) ببعديهما الدينيين.

وفي العصر العباسي الذهبي، توالى ظهور المذاهب الإسلامية السُنية والشيعية، كما عرف المسلمون عقائد المعتزلة والأشعرية والماتريدية والحنابلة وغيرها. وقد ظهر أئمة السُنة أصحاب المذاهب المتبوعة تباعاً في عهود خلفاء بني العباس الأوائل، فكان الأخيرون يطلبونهم، ويراسلونهم، ولم يكن التقليد قد فشا بين المسلمين ليُقال إنهم تمذهبوا بمذاهبهم.

وكان لاعتقادات الخلفاء والأمراء والوزراء أثرها على العوام؛ فعندما اعتنق الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق بعض عقائد المعتزلة، وأهمها اعتقادهم خلق القرآن، وامتلأ بلاطهم بحاشية معتزلية، أرادوا فرض معتقدهم ذاك على عموم المسلمين؛ علمائهم قبل عوامهم. ولم يكونوا بِدعاً من الخلفاء، عندما فرضوا ما يعتقدون.

وبعد تولي المتوكل، وانقشاع محنة خلق القرآن، ساد التسنن، ودعمه خلفاء بني العباس، ثم نشأ بعد ذلك سبب آخر لدى العباسيين ليدعموا التسنن، وهو قيام كثير من الدول الشيعية حولهم، وأهمها دولة الفاطميين (296-567ه‍)، التي رأي فيها العباسيون أكبر خطر محدق بهم من بين كل الدول التي كانت قد بدأت تتشكل في أرض الخلافة. وقد قابلها العباسيون بعدة طرق؛ منها الطعن في نسب الفاطميين، والتشديد على شيعة بغداد، وإطلاق يد الحنابلة فيهم لترويعهم، والذي جعل بغداد مسرحاً متجدداً للفتن، بدءاً من القرن الرابع الهجري.

في العصر العباسي الثاني، كانت قد ضعُفت الدولة العباسية، وأصبح منصب الخليفة منصباً شرفياً، حيث ظهرت دول ببعض المناطق التابعة لسلطان العباسيين، استقل بها أصحابها تحت مظلة ورعاية شرعية الخلافة، وكان لأمراء تلك الدول -بل ووزرائهم- الأمر والنهي بعاصمة الخلافة، رغم وجود الخليفة. وكان من بين ما يتحكمون فيه هو مذاهب الرعية.

لم تعرف الشيعة في القرن الرابع الهجري الاضطهاد سوى في بغداد، وكان اضطهادهم من جانب الحنابلة. أما خارج بغداد، فكانوا في أحسن حال، وعلى الرغم من ذلك كان العداء بادياً بين صنوف الشيعة عندما سادت دولهم في القرن الرابع.

وإذا أردنا تتبع القصة من أولها، فإنه في نهاية القرن الثالث الهجري ظهرت الدولة الحمدانية في حلب والموصل، تحديداً سنة 293هـ، وكان بنو حمدان من الشيعة الإمامية، ثم تبعتها الدولة الفاطمية سنة 296هـ، حيث ظهرت في المغرب العربي، وكانوا شيعة إسماعيلية، وكان أمر القرامطة الخوارج، الذين أقاموا دولتهم في البحرين، قد بلغ من الفسق مبلغه، حتى إنهم نزعوا الحجر الأسود من مكانه، وأخذوه إلى بلادهم سنة 317هـ، وهؤلاء القرامطة كانوا قد انشقوا عن الفاطميين الإسماعيلية.

وفي سنة 321هـ، علا شأن بني بويه ببلاد فارس، وكانوا شيعة إمامية وفيهم اعتزال، ودخلوا بغداد سنة 334هـ، ولانشغال البويهيين بمعارك على جبهتهم الشرقية لم يتمكنوا من توسيع نفوذهم ودخول الشام، وإذا بالفاطميين سنة 358هـ يملكون مصر، ثم بعدها بعامين يملكون الشام.

ولم يحدث بين هذه الدول الشيعية الأربع تحالف وتآزر، وإلا لكانوا قضوا على الخلافة العباسية؛ بل على العكس تناحروا؛ بسبب المصالح السياسية أولاً، ولأنهم لم يروا أنفسهم فريقاً واحداً بسبب الاختلاف بينهم على الإمامة.

كانت بين البويهيين والحمدانيين صراعات، فلمَّا دخل الفاطميون دمشق في صفر سنة 360هـ، اصطلح أبو تغلب ابن حمدان مع بختيار عز الدولة البويهي، وعقد على ابنته وعمرها 3 سنين! في الشهر نفسه، ثم حدثت بين الفاطميين والخوارج القرامطة حروب، واللافت هو ما حكاه ابن كثير من مساعدة البويهيين للقرامطة ليأخذوا الشام ومصر من الفاطميين أواخر سنة 360هـ.

قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص327): "وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسين بن أحمد بن بهرام، وقد أمده عز الدولة (البويهي) من بغداد بسلاح وعُدد كثيرة". وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج15، ص405) أنه في سنة 371هـ "قد سُرق شيء ‏نفيس لعضد الدولة البويهي، ولم يُعرف من أخذه. ويُقال إن صاحب مصر (الفاطمي) بعث من ‏فعل هذا!".

ووصل العداء إلى حد الاستنجاد بالروم بعضهم على بعض. يذكر محمد جمال الدين سرور في "تاريخ الدولة الفاطمية" (ص372) أن "أبا الفضائل ابن حمدان، لمّا علِم بتوغل الفاطميين في بلاد الشام، استنجد بإمبراطور الروم باسيل الثاني؛ فأمدّه الإمبراطور بحملة"، ثم أنه بعد أن انتصر الفاطميون على حملة البيزنطيين سنة 381هـ، ثم حاصر الفاطميون حلب، "اضطر أميرها إلى الاستنجاد بالإمبراطور البيزنطي مرة ثانية".

وكان حكام كل دولة من تلك الدول الشيعية ينشرون مذهبهم بين رعيتهم، ويحاربون ما عداه، كما بدأ الشيعة أواخر القرن الثالث الهجري إنشاء مدارس للعمل على نشر علوم مذهبهم، وغيرها من العلوم.

أورد ابن الجوزي في "المنتظم" (ج14، ص366) أنه في سنة 383هـ "ابتاع أبو نصر سابور بن أردشير داراً في الكرخ (محلة للشيعة ببغداد) بين السورين، وعمّرها وبيَّضها وسمَّاها: دار العلم، ووقفها على أهله (يعني الشيعة)، ونقل إليها كتباً كثيرة ابتاعها وجمعها وعمل لها فهرستاً" انتهى. كما ذكر من ترجموا للشريف الرضي أنه قد أنشأ مدرسة لطلبة العلم ببغداد.

وكذا نشر الفاطميون التشيع بمصر، من خلال إسناد المناصب العليا والقضاء للشيعة، ونشر دعاة المذهب في سائر ربوع مصر، كما ذكر المقريزي في "الخطط" (ج2، ص342) أنه في سنة 395هـ "فُتِحت دار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها القرّاء، وجُلب الكتب إليها من خزائن القصور، ودخل الناس إليها، وجلس فيها القرّاء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأطباء، وحصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم يُر مثله مجتمعاً، وأُجرِي على من فيها من الخدّام والفقهاء الأرزاق السنية" انتهى.

وكانت تلك طريقتهم السلمية في نشر التشيع، وإن كان الأمر لم يخلُ من فتن وطرق غير سلمية. وسيكون لهذه الأساليب التعليمية أثرها في نشر التشيع، وسيقابلها السُنة بعد ذلك في منتصف القرن الخامس بمشروع مضادٍّ لنشر التسنن، بإنشاء النظاميات وما تلاها من مدارس سُنية.

‏ نتابع حديثنا في الجزء الثاني من المقال.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.