المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى أبو بكر زيتون Headshot

هل أتاكَ حديث عدل كسرى؟!

تم النشر: تم التحديث:

من الكلمات الشائعة على ألسنة المصريين أن أرضهم قد سُجن فيها أكرم خلق الله، ‏الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

وهي كلمة ‏يريدون بها أن أرضاً هذه حالها لا شك أن الظلم مستشرٍ فيها، حتى يُقال أيضاً على سبيل ‏المبالغة إن تسعة أعشار الظلم في مصر.

حالة مثيرة سيتوقف عندها التاريخ طويلاً عندما يُؤرخ لعهد السيسي، وأعني بها حالة ‏الظلم المكشوف شديد الغباء إلى حد البلاهة، التي وفقاً للمأثور الشعبي المصري يمكن أن ‏نسميها حالة "قَلْع بُرقع الحياء"!

بعد شهرٍ واحد من إقرار التفريط في جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، دخل النظام ‏المصري في صراع مع أهالي جزيرة الورّاق، الواقعة في قلب نيل القاهرة، وفُوجئ الأهالي ‏بدخول الدبابات إلى الجزيرة مطالبة إياهم بإخلائها كي يتمكنوا من هدم منازلهم، لأجل إنشاء ‏مشروع عليها برعاية شركة إماراتية، وهو مشروع مؤجل كان من أحلام جمال مبارك.

كان عاطف عبيد، رئيس الوزراء المصري الأسبق، الذي كانت توليته رئاسة الحكومة ‏بداية نكبتنا المعاصرة، قد أصدر قراراً عام 2000 باعتبار جزيرتي الورّاق والدهب ملكية عامة ‏للدولة، وبينما تصل مساحة الجزيرة إلى حوالي 1600 فدان، فإن ملكية الأهالي فيها -تلك ‏التي أرادت الحكومة نزعها- تزيد على 1430 فداناً! ولم يسكت الأهالي وقتها، ورفعوا قضية ‏على الحكومة، وحصلوا على حكم قضائي عام 2002، قضى بثبوت ملكيتهم لأراضيهم.‏

ولأننا نعيش في عهد نظام السيسي أزهى عصور سيادة القانون، فقد تم بلّ أحكام ‏القضاء في مياه النيل، واقتحمت الدبابات الجزيرة منذ أيام لأجل هدم البيوت ونزع ملكية ‏الأراضي من هؤلاء الفقراء الذين لا يراهم النظام يستحقون العيش في جنة أرضية يحيطها نهر ‏من أنهار الجنة.

ربما كان زبانية النظام يريدون تعويض أنفسهم وأحبابهم ممن سيتملكون تلك ‏الأراضي بديلاً للفقراء عن الجنة الأخروية التي لا يضمنون من صحيفة أعمالهم السيئة أن ‏ينالوها.‏

وكالعادة فقد روّج النظام وأذنابه والمخبولون ممن يتبعونه باسم الوطنية بتبريرات واهية ‏بأن هؤلاء الناس الذين يعمرون جزيرة الورّاق، قد استولوا على أراضي الدولة في السنوات ‏الأخيرة، ولا حق لهم فيها.

وعندما تم التضييق عليهم حاول بعضهم الادّعاء بأن الإخلاء ‏سيكون للتعديات على أراضي الدولة وحسب، وليس على كامل أرض الجزيرة!‏


هل الجزر في النيل كانت غير مأهولة بالسكان على مر العصور؟!‏

ربما يظن مَن يكذب علينا أن المصريين القدماء كانوا بدواً لم يركبوا البحر ولم يعرفوا ‏السفن والمراكب، وأن المصريين المعاصرين أغبياء بما يكفي ليصدقوهم في أن أكبر جزر ‏النيل كانت غير مأهولة حتى سنوات!‏

وللحقيقة، فقد كانت هناك مناطق غير مأهولة على شاطئ نيل القاهرة في عصور ‏قديمة جداً؛ لأنه كانت تسكن الأسود في أحراشها، ولكن الأسود انقرضت من مصر منذ عهد ‏الفاطميين، لكثرة قتل المصريين لها، وعمارتهم لشاطئ النيل؛ لأنه متنزههم، وكان الحاكم بأمر ‏الله، وفقاً لما أورده المقريزي في "الخطط"، عندما يريد أن يُضيِّق على سكان القاهرة يمنعهم من ‏الخروج للتنزه ليلاً على شاطئ النيل، وعمرو بن العاص عندما دخل مصر أقام الفسطاط على ‏شاطئ النيل، وما زال جامعه شاهداً على الموقع.

اعتاد المصريون العبور من أحد شاطِئَي النيل إلى الشاطئ الآخر على الدوام، ولكنهم ‏كانوا يفضلون أن يعيشوا على الضفة الشرقية ويدفنوا موتاهم على الضفة الغربية.

وعلى كثرة ‏الجزر النيلية التي تقع في قلب النيل في مصر، فاصلة ضفتَيه الشرقية والغربية، فإن مساحاتها ‏تتفاوت، وكُتب التاريخ تثبت لنا أن الجزر الكبيرة منها، في القاهرة وغيرها، كانت بلا استثناء ‏عامرة مأهولة من قديم.‏

جزيرة المعادي، تلك الجزيرة الكبيرة المواجهة لحي المعادي شهدت جزءاً من رحلة ‏العائلة المقدسة؛ السيد المسيح والسيدة العذراء ويوسف النجار، عند دخولهم مصر؛ خوفاً من ‏بطش الرومان، وعبورهم المعدِّية النيلية من منطقة بجوارها، ومن هنا جاءت التسمية ‏‏"المعادي".‏

والزمالك جمع زملك، الزملك: كلمة تركية تعني الأكواخ الخشبية أو العشش، تكونت ‏جزيرة الزمالك بعد التحام ثلاث جزر في النيل مع الزمن وتراكم الطمي بينها، كانت الجزيرة ‏قديماً يعمرها الصيادون فقط، وعندما بنى محمد علي باشا عام 1830م قصراً فيها، تبعه رجال ‏الدولة وصاروا يبنون بيوتاً صغيرة فيها بقصد النزهة.

وعُرفت بالزمالك منذ ذلك الوقت، واختلفوا ‏حول سبب التسمية، هل سمّى رجال الدولة الجزيرة زمالك بسبب بنائهم بيوتاً خشبية بسيطة ‏فيها للتنزه، أم بسبب أن الجزيرة كانت عامرة بالكثير من تلك البيوت الخشبية الخاصة ‏بالصيادين؟ وزادت عمارة الجزيرة في عهد الخديو إسماعيل، ثم تطورت كثيراً طوال القرن ‏العشرين، وصارت سكناً دائماً لعلية القوم.‏

وجزيرة الروضة، وتُعرف في عصرنا باسم المنيل أو منيل الروضة، أيضاً كانت عامرة ‏من قديم، كان عليها حصن قديم من أيام الرومان. وأول ذكر لها في التاريخ الإسلامي كان ‏عندما أنشأ الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك مقياساً للنيل فيها، وقد ذكرها المقريزي في ‏‏"الخطط"، وقال عنها إنها متنزه للمماليك ومسكن للناس.

وقريباً كنت أبحث في موضوع المدارس الإسلامية، وكان مما استوقفني أن تقي ‏‏الدين ‏عمر بن شاهنشاه، ابن أخي صلاح الدين يوسف الأيوبي، قد اشترى داراً كانت تُعرف بمنازل ‏العز، وجعلها مدرسة ‏للشافعية، وأوقف عليها ‏‏الروضة وغيرها، ومعنى إيقاف الروضة عليها أن ‏الأموال التي تأتي من جزيرة الروضة كانت تُنفق على المدرسين وطلبة العلم بالمدرسة، وهذا ‏دليل على أن أغلب أراضي الروضة كانت تُستخدم حتى العهد الأيوبي للزراعة.‏

وقد زادت عمارة جزيرة الروضة في القرن التاسع عشر عندما بنى الخديوات والأمراء ‏القصور فيها، لكنها بقيت في العموم أرضاً زراعية من أجود الأراضي حتى أوقفت الأميرة ‏فاطمة ابنة الخديو إسماعيل وقفها الخيري لبناء جامعة القاهرة على الضفة الغربية لنهر النيل، ‏وافتتحت الجامعة لأول مرة بعد اكتمال بنائها عام 1908، ومعلوم كيف يؤثر إنشاء الجامعات ‏في عمارة المناطق حولها، فما بالنا بجزيرة تفصل بين الضفتين الشرقية والغربية لنهر توجد ‏جامعة في إحداهما؟

أما الورّاق، وهي موضع النزاع بين الأهالي والحكومة، فمن المأثور أن كثيراً من ‏الصحابة الذين دخلوا مصر، ومعهم كثير من ‏قبائل العرب، قد عمروا تلك الجزيرة والأراضي ‏المقابلة لها على الضفة الغربية من النيل.‏

كانت جزيرة الورّاق من بين كل الجزر كبيرة المساحة في مجرى النيل أقلها حظاً في ‏العمارة، رغم أنها أكبرها مساحة، فبقيت على طبيعتها الريفية رغم أن التمدن قد طال جزراً ‏أخرى، فلا هي حظيت يوماً بزيارة العائلة المقدسة كالجزيرة المواجهة للمعادي، ولا كانت همزة ‏وصل مع جامعة كالروضة، ولا سكنها رجال الدولة كالزمالك؛ لذا لم يهتم أحد بربطها بطرفيّ ‏النيل عن طريق جسور كالتي تربط جزيرتي الزمالك والروضة.‏
لكنها كانت مأهولة على كل حال، لم تكن خاوية، ولم يزهد البشر في السُكنى فيها، ‏عاشت عليها أجيال وماتت، وهي أرضهم وأرض آبائهم يا حكام الجور، وجزيرة الورّاق هي جزء ‏من التقسيم الإداري لحي الوراق، وهو أحد أحياء محافظة الجيزة.‏


مَن عمّر أرضاً ميتة فهي له

جاء في صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضاً مواتاً، وقال عمر: من ‏أحيا أرضاً ميتةً فهي له. ويُروى عن عمرو بن عوف، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ‏في غير حق مسلم: "وليس لعرق ظالم فيه حق"، ويروى فيه عن جابر عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم.‏
وأورد البخاري حديث 2335 - عن عُروة عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم قال: "من أعمر أرضاً ليست لأحدٍ فهو أحق"، قال عروة: قضى به عمر رضي ‏الله عنه في خلافته.‏

وجاء في التمهيد لابن عبد البر، ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة ‏قال: خاصم رجل إلى عمر بن عبد العزيز في أرض حازها، فقال عمر: مَن أحيا من ميت ‏الأرض شيئاً فهو له، فقال له عروة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا شيئاً من ‏ميت الأرض فهو له، وليس لعرق ظالم حق".‏

وفي التمهيد أيضاً عن عروة قال: أشهد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى أن ‏الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، ومن أحيا مواتاً فهو أحق به، جاءنا بهذا عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم، الذين جاءوا بالصلوات عنه. وبسند آخر عن عروة، عن عائشة قالت: قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فمَن أحيا من موات الأرض ‏شيئاً فهو له، وليس لعرق ظالم حق".‏

والأحاديث في هذا المعنى وافرة، فالأرض إما عامر وإما موات، والعامر لأهله، والذي ‏كان مواتاً فمن أحياه وجعله عامراً هو أهله، والعامر لأهله لا يُملك إلا بإذنهم، والإحياء هو ‏البناء عليها والزرع فيها والبئر تُحفر ونحو ذلك.

ولو دقّقنا لاكتشفنا أن هذه هي طريقة عمارة الأرض منذ خلق الله الخلق، إلّا إن كان ‏مُطبِّلو النظام يتصورون أن آدم -عليه السلام- قد سجّل ملكية أراضي الدنيا لأولاده بعقود رسمية!‏

بالتالي، فتلك الأراضي التي أصلحها وأحياها جدود جدود أهالي جزيرة الورّاق، وإن لم ‏يملك بعضهم أوراقاً ثبوتية تقضي بملكيتهم إياها، فهي ملكهم شرعاً، آلت إليهم بالميراث أباً ‏عن جد.‏

قانون وضع اليد (التقادم المُكسِب للملكية)‏
ذكرنا أن كثيراً من أهالي جزيرة الورّاق قد حصلوا عام 2002م على أحكام قضائية ‏تقضي بتملكهم للأراضي التي في حوزتهم، وبعضهم لم يحصل على تلك الأحكام حتى اليوم، ‏ولكن وفقاً للقانون المصري هي أيضاً أرضهم، ومن حقهم المطالبة بعقود تثبت تملكهم إياها، ‏فالحيازة المستمرة الهادئة وغير الخافية، مع الرعاية والاستغلال، لمدة خمس عشرة سنة هي ‏سبب للملكية في القانون المصري، طالما ليست قائمة على اغتصاب حق.‏
لكن اللعب القانوني الذي تحتال به الدولة الآن لسلب المواطنين حقوقهم يقوم على ‏أساس أن تلك الأراضي وإن لم تُغتصب من أشخاص إلا أنها قد اغتُصبت من الدولة!‏

وأتساءل: أي دولة يعنون تلك التي اغتصب منها أهالي جزيرة الورّاق أراضيهم، التي ‏تُقدر مساحتها بما يزيد على الألف وأربعمائة فدان؟ هل هي جمهورية مصر العربية التي ‏أُعلِنت عام 1953، أم المملكة المصرية، أم ربما دولة الهكسوس؟!

الواقع يقول إن هذه الأراضي مأهولة من قديم، ويسكنها حالياً أكثر من 60 ألف ‏مواطن مصري، وادّعاء أن هؤلاء البشر قد اكتشفوا فجأة تلك الجزيرة الشاسعة المساحة في وسط ‏النيل فهجموا عليها هجوم الجراد واحتلوها مؤخراً هو ادّعاء فاجر، والفُجر صار ملمحاً معتاداً من ‏هذا النظام على كل حال.‏

حكم الشرع في نزع الملكيات الخاصة
يقول حافظ إبراهيم في قصيدته الشهيرة "أعيدوا مجدنا دنيا وديناً":‏
أتى عمر فأنسى عدل كسرى ** كذلك كان عهد الراشدينا

وكان العرب في الجاهلية يذكرون الأكاسرة بالعدل، فلمّا جاء الإسلام تضاءل عدلهم أمام ‏عدل الشريعة الخاتمة، وإن كان العدل لم يدم فينا طويلاً، وسرعان ما تحول ولاتنا إلى أردأ ‏الملوك.‏

وتشتهر بين المسلمين قصة لامرأة قبطية استولى عمرو بن العاص على أرضٍ لها لأجل ‏التوسع في بناء جامعه المعروف بالفسطاط، فسافرت المدينة، وشكته إلى أمير المؤمنين عمر ‏بن الخطاب، فكتب إلى عمرو يأمره بإيقاف البناء الذي بدأه في الأرض، وردّها إليها، وقال له: ‏‏"نحن أحق بالعدل من كسرى"؛ لأن كسرى الفرس، عندما كان العُمَران يتّجران في بلاده قبل ‏الإسلام، كان قد رد إليهما مالاً نهبه منهما أمراء فرس.‏

ومما يُحكى عن عدل كسرى أيضاً أنه لمّا أراد توسعة إيوانه أمر رجاله بشراء ما حوله ‏من مساكن وأراضي الناس، وأجزل لهم الثمن، ولكن عجوزاً طاعنة في السن رفضت البيع، ‏وكان بيتها وسط موضع التوسعة وليس متطرفاً، ولكن كسرى أمرهم بترك المنزل وعدم ‏التعرض لها، وكانت المرأة فلّاحة تغدو مع بقرتها إلى أرضها في الصباح وتعود في الليل، ‏وكان إذا حلّ موعد خروجها وإيابها رفع الخدم والعبيد البُسط وقام الجالسون في الطريق، حتى ‏إذا مرّت عاد الديوان كما كان، فهلّا بلغنا معشار عدل كسرى؟!‏

ويُحكى أنه في عهد الخليفة المقتدر ظلم وزيره ابن الفرات عجوزاً وأخذ دارها وبستانها دون ‏حق، فلمّا قالت له: اتقِ الله، تهكم عليها ونصحها بأن تدعو الله عليه في ثلث الليل الأخير، ‏فقالت: والله لأفعل، فما مر شهر حتى نكبه الخليفة.‏

وخلاصة الأمر أنه لا يحق شرعاً لأي حاكم أن ينزع أموال الناس الخاصة من بين أيديهم ‏إلا برضاهم، حتى وإن عوّضهم عنها، ولكن حُكّام السوء يتسلطون على العباد فيسرقون ‏أموالهم.‏

جزر النوبة في الطريق للبيع
ما يتناقله أهالي النوبة مؤخراً أنه وكما هجّرهم عبد الناصر بهدف إقامة السد العالي، ‏فهناك جزر تم حصرها في الفترة الماضية، وهي جزر سوان نارتي، وسُهيل، وعواض، وهيسا، ‏وأن هذه الجزر التي يسكنها النوبيون منذ عهد الفراعنة، قد اعتُبرت ملكاً للدولة، وسيتم تهجيرهم ‏منها قسراً بعد الانتهاء من أزمة جزيرة الورّاق!‏

فهل النوبيون أيضاً قد استولوا على تلك الجزر وتعدّوا عليها في السنوات الأخيرة يا ‏ظلمة؟!‏

تأميم جديد
نحن أمام نظام فاشل، ينهج على خطى الحنجوري الفاشل الذي سبقه، وأعني عبد ‏الناصر، وما يحدث هو تأميم من نوع جديد. حذّرتُ منه منذ بدأ التحفظ على أموال الناس دون ‏وجه حق، مثل أموال أبو تريكة وغيره ممن يراهم النظام أعداءً له، رغم أن مخالفتهم الرأي ‏وانتماءاتهم الحزبية المفترض ألّا تكون لها علاقة باستحلال أموالهم.‏

لكن عبد الناصر لم يكن على هذه الدرجة من البلاهة، ولم يكن يتشطر على الفقراء. ‏على كلٍ، فالتاريخ يخبرنا أنه ما من حاكم فاشل لجأ إلى نهب الأموال الخاصة بفريق من ‏الناس ليملأ خزائنه، التي ما تلبث أن تفرغ من جرّاء غبائه، ومن جرّاء سرقات جيش النصابين ‏الذين يملأون جيوبهم من ورائه، فإنه ما يلبث أن يبرر لنفسه الاستيلاء على أموال فريق آخر، ‏وكل ما سيجده هؤلاء النهّابون أمامهم سيسرقونه مع اختلاف التبريرات.‏

ولعل من أبسط مبادئ علم الاجتماع أن الطبقة الوسطى هي التي تحافظ على قيم ‏وتقاليد المجتمع، وهي أيضاً التي تحافظ على توازنه، مانعة من وجود شرخ في جدار المجتمع ‏نتيجة التباين بين أفراده. ولم تكن الطبقة المتوسطة أقل عدداً مما هي عليه الآن في مصر ‏مقارنة بأي عهد آخر، ولم يكن البون شاسعاً بين الأغنياء والفقراء مثلما نراه منذ قامت الثورة.‏

والنظام باعتدائه على ملكية الأهالي يرسل رسالة واضحة أن مكاناً بهذا الجمال، والذي ‏يشعر قاطنه أنه يحيا في الجنة لا حق للفقراء فيه، حتى لو كان ملك آبائهم وأجدادهم، وأنه ‏سينزعه منهم لإعطائه مَن يستحقه، فسكان الكُمبوندات لا العشوائيات هم الأحق به.‏

أمامنا نظام يظلم الفقراء ويُقوض آمالهم في الحياة، ولا يرى لهم أدنى حق فيها، لا ‏يراهم يستحقونها أصلاً، ولا ينقصه إلا إنشاء محارق للقضاء عليهم ليكون متوافقاً مع ذاته، ‏نظام يكذب كذب الإبل لتبرير كل ما يصدر منه من قذارة، نظام حقير يريد أن يفرط ويبيع كل ‏موارد مصر ليترك أجيالاً تلعن كل رجاله.‏

ونتساءل عن سبب تسارع وتيرة هذا الظلم دون انتظار، وهل هو تخوف من رجال ‏الأعمال على استقرار النظام باعتباره آيلاً للسقوط، ورغبة في الاستفادة منه واستغلال الفرصة ‏السانحة التي من الصعب أن يجود عليهم الدهر بمثلها؟ أم أن النظام بالفعل قد وصل إلى ‏مرحلة قَلْع بُرقع الحياء؟! أم أن هناك من يُزين للنظام هذه الأفاعيل الحمقاء لإفقاده ما بقي له ‏من شعبية، وتسهيل خلعه؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.