المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى أبو بكر زيتون Headshot

لعبة الدين والسياسة "3"

تم النشر: تم التحديث:

عودة للعقائد فنقول: إن نظام المُلك قد تسبب ببنائه النظاميات في نشر العقيدة الأشعرية من أقاصي بلاد فارس شرقاً وحتى بلاد المغرب بالعلم وليس بحد السيف، كما تسبب في نشر المذهب الشافعي، وتحول كثير من العلماء والفقهاء إليه؛ ليحظوا بفرصة التدريس بالمدارس النظامية. ولكن هذا لا ينفي أنه قد انتشرت مدارس كثيرة لتدريس باقي المذاهب السُنية بخلاف الشافعي.

ثم بأمر السلطان الظاهر بيبرس، انحصرت المذاهب الفقهية السُنية المتبوعة في المذاهب الأربعة المعروفة لنا الآن فقط. وصار لأهل كل مذهب قاضٍ، وقد يصل التعصب بينهم لحد الافتراق في الصلاة، فتُصلى الجماعة 4 مرات في المسجد الواحد! واستمر الحال إلى زماننا. وكان لحصر مذاهب أهل السُنة في تلك المذاهب قصة، تدور في جزء كبير منها حول السياسة.

روى الإمام السبكي في "طبقات الشافعية" (ج8، ص215) في ترجمة سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام: "ولمّا مرت جنازة الشيخ عز الدين تحت القلعة، وشاهد الملك الظاهر بيبرس كثرة الخلق الذين معها، قال لبعض خواصه: اليوم استقر أمري في المُلك؛ لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس اخرجوا عليه لانتزع المُلك مني".

كانت وفاة سلطان العلماء العز بن عبد السلام عام 660هـ. وبعد وفاته بأقل من 4 سنوات، حصر الظاهر بيبرس مناصب القضاء في قضاة المذاهب السُنية الأربعة المعروفة لنا الآن، واقتصر التدريس بالمدارس على تلك المذاهب، وأبطل ما سواها. حدث هذا بمصر أواخر سنة 663هـ، ومثله حدث بالشام سنة 664هـ. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج17، ص464): "ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة، استهلّت والخليفة: الحاكم العباسي، والسلطان: الملك الظاهر، وقضاة مصر أربعة. وفيها جُعل بدمشق أربعة قضاة، من كل مذهب قاضٍ، كما فُعل في العام الماضي بديار مصر".

وكان هذا تغييراً سياسياً أكثر منه دينياً؛ إذ إنه منذ عزل صلاح الدين الأيوبي قضاة مصر الشيعة، صار من يتولى منصب القضاء بمصر في عهد الأيوبيين قاضٍ واحد على المذهب الشافعي، وله أن يعين من ينوب عنه في الأقاليم. وكان الأيوبيون يستنيبون الشافعية في كل الأعمال، بينما وبعد قرار بيبرس لم يعد علماء الشافعية يستأثرون بأمور السلطة، ولا مقابلة العوام. وكان الغرض ألا يعلو نجم عالم من العلماء بين عموم الناس فيصير في مرتبة العز بن عبد السلام. كان هذا أول استغلال من بيبرس للتمذهب لتفريق المسلمين السُنة. سنّه بيبرس، واستخدمه من بعده مئات من رجال السياسة.

وحتى اختيار المذهب الحنبلي ليكون رابع تلك المذاهب تدخلت فيه السياسة؛ فالمذاهب الحنفية والمالكية والشافعية كانت أشهر مذاهب أهل السُنة، وأغلب الناس عليها، لكن الحنبلي اختُير معها بسبب فتاوى الحنابلة القوية فيما يخص الجهاد ومعاملة الأسرى، وكان خطر التتار ما زال قائماً.

ثم آل الأمر للعثمانيين، واستحسن الأتراك المذهب الحنفي، حتى أصبح المذهب الرسمي للدولة العثمانية؛ والسبب هو فتوى الإمام أبي حنيفة التي أجاز فيها الخلافة لغير قريش؛ بل وصل الأمر إلى أن فرض العثمانيون قراءة حفص عن عاصم؛ لأن أبا حنيفة كان يقرأ بها. ونظراً لطول فترة حكم الدولة العثمانية، التي استمرت من سنة 699: 1342هـ-1299: 1924م، ولما يزيد على 6 قرون، أصبح المذهب الحنفي هو الأكثر انتشاراً بين المسلمين.

وفي جزيرة العرب، فرض الوهابيون مذهبهم على سائر المناطق التي حكموها واستخلصوها بالسيف، ولأول مرة في تاريخ الإسلام ينفرد أهل مذهب بعينه بالإمامة والتدريس في الحرمين. وأصبحت آراء ابن تيمية وابن عبد الوهاب الفقهية دستورهم، وما عداها من علوم سائر علماء المسلمين غير ذات أهمية، فتعصبوا لهما بأكثر مما تعصب الشيعة الإمامية لأئمتهم.

في حين نشأت جمهوريات إسلامية في إيران، وباكستان، وأفغانستان، وموريتانيا، وجامبيا. وهذا عجيب لأن الجمهورية تقوم على أساس مبدأ سيادة الشعب بصرف النظر عن أي اعتبارات دينية أو أيديولوجية، بينما هذه الدول قائمة على التمييز المذهبي بين المواطنين. في إيران على سبيل المثال، يُشترط في رئيس الدولة أن يكون مسلماً شيعياً إمامياً. إضافة إلى أن منصبه فخري، والمرشد الأعلى للثورة هو رئيس الدولة الفعلي، وهو شخصية دينية اختُيرت من قِبل مجلس الخبراء، وليس باقتراع الشعب؛ لذا لا نتعجب من تآكل السُنة ببلاد فارس، وأن يكون 90% من المسلمين بها من الشيعة الإمامية، خاصة بعد مجازر الصفويين من قِبلهم في حق السُنة.

والأمثلة كثيرة، وصدق من قال: "الناس على دين ملوكهم". وتدخُّل السياسة في الدين لا يقتصر على الدول، فقد ظهرت جماعات أُسست على أساس ديني، ولكن بدا أن الغرض من ورائها تحقيق أهداف سياسية.

كانت أولى تلك الجماعات: جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد نشأت في ‏نهاية العشرينات من القرن العشرين على يد الشيخ حسن البنا، وكانت أول أمرها جماعة دينية ‏يمكن أن توصف بالوسطية؛ فهي لا تعادي المجتمع ولا تهدف إلى تغيير قِيَمه ولا تهجره أو تتبرأ ‏منه وتكفرِّه، وكانت لها أنشطة اجتماعية ما زالت بقاياها في الإسماعيلية بمصر إلى يومنا هذا، ‏وكانت تكتفي بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحسن.

ولكن حدث تحول في ‏أفكار الجماعة بدءاً من أربعينات القرن الماضي؛ فتطرفت حتى دخلت في صراع مع المجتمع؛ ‏إذ لجأت إلى العنف والاغتيالات السياسية، ثم حدث تطرف مضاد ضدها في نهاية عهد الملك ‏فاروق وطوال عهد عبد الناصر أدى إلى مزيد من العنف من قبل جماعة الإخوان والجماعات ‏الإسلامية التي خرجت من رحمها.

وقد أدت النكسة إلى سقوط زعامة عبد الناصر في عيون ‏كثير من الشباب، ومن ثم وجدوا العزاء في الانضمام إلى الجماعات الدينية، كجماعة التكفير والهجرة، وقاموا بتكفير الحاكم ‏والمجتمع ككل واعتبروه جاهلياً، ودعوا -كما دعت الخوارج قديماً- إلى تحكيم شرع الله، ووصل ‏الأمر إلى ذروته باغتيال الرئيس السادات رحمه الله.‏

وبهذا التغيير والتحول إلى التكفير، أصبح توجه الإخوان مشابهاً لتوجه الوهابية، وإعلاناً ‏لتسلُّف الفكر الإخواني، وإن جاهدوا لإخفاء هذا التوجه وإظهار وسطية زائفة أسهمت الحوادث ‏في السنوات الأخيرة بمصر في إبرازه.‏

ومن رحم الإخوان وُلدت "القاعدة"، ثم ظهر خوارج زماننا المسمون أصحاب "الدولة الإسلامية" (داعش)، وكما تلقت "القاعدة" دعماً من المخابرات الأميركية، فإن "داعش" -ولا شك- تتلقى أشكال الدعم كافة لتبقى؛ ولا يعجبنّ أحد أن يقبل هؤلاء دعماً ممن يحكمون قطعاً بكفرهم.

إنها السياسة تُطل علينا برأسها دائماً، ولا يربح في تلك اللعبة غالباً المتدينون؛ بل الدجّالون، فينبغي أن نتذكر أنه في لعبة السياسة تكون للمصالح اليد العليا دائماً وليس المبادئ والاعتقادات؛ ومن ثم لا مكان للتفكير في أمر المذاهب إن اقتضى الأمر التحالف مع المخالف مذهبياً، أو اقتضى الصراع مع المتفق في المذهب، فكما ذكرنا كان هناك صراع بين البويهيين ببغداد والحمدانيين بالموصل والفاطميين بمصر، رغم كون أمراء الدول الثلاث من الشيعة. والحال ذاته بالنسبة للسُنة، فكانت الحروب على أشدها بين الغزنويين والسلاجقة.

عندما نتحدث عن التطرف الديني، فلا بد أن ندرك أنه قبل كل أمر، ومعه، يكون أثر السياسة ظاهراً.‏

المراجع
أحمد بن علي تقي الدين المقريزي، (1987)، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار "المعروف بالخطط المقريزية"، ط2، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.

إسماعيل بن عمر بن كثير أبو الفداء القرشي الدمشقي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، (1997)، البداية والنهاية، القاهرة: دار هجر.‏

الحسين بن محمد شواط، (1411هـ)، مدرسة الحديث في القيروان من الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس الهجري، الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي.

الحسن بن علي بن إسحاق أبو علي نظام المُلك الطوسي، ترجمة وتحقيق: يوسف بكار، (2012)، سير الملوك "سياست نامه"، عمَّان: مكتبة الأسرة الأردنية-القراءة للجميع.

عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج ابن الجوزي،‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا،. (1995)، ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ط2، بيروت: دار الكتب العلمية.

عبد الوهّاب بن علي بن عبد الكافي تاج الدين السبكي، تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، (1993)، طبقات الشافعية الكبرى، ط2، القاهرة: دار هجر.‏

علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري، تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق، (1987)، الكامل في التاريخ، ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏

محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم الزيبق، (1996)، سير أعلام النبلاء، ط: 11،‏ بيروت: مؤسسة الرسالة.

محمد بن جرير أبو جعفر الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (1967)، تاريخ الطبري "تاريخ الرسل والملوك"، ط:2، مصر: دار المعارف.

محمد جمال الدين سرور، (1995)، تاريخ الدولة الفاطمية، القاهرة: دار الفكر العربي.


ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.