المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى أبو بكر زيتون Headshot

لعبة الدين والسياسة "2"

تم النشر: تم التحديث:

منذ وطئت أقدام البويهيين الشيعة بغداد سنة 334هـ، معلنين نهاية العصر الذهبي لبني العباس، استقوى بهم شيعة بغداد أمام الحنابلة الذين كانوا قد أفرطوا غاية الإفراط في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً لمفهومهم بما حوّله إلى غوغاء وفوضى. ظهر هذا الاستقواء في أجلى حالاته، خاصة في السنوات الأولى للبويهيين قبل وفاة معز الدولة البويهي. وكذا في سنوات حكم عضد الدولة البويهي.

وبدأت في عهد البويهيين طقوس الشيعة في النواح بعاشوراء والاحتفال بالغدير، واستمر حكمهم في العراق وما يتصل به من بلاد فارس حتى سنة 447هـ، ولكن قواهم قد ضعُفت من أواخر القرن الرابع، وكان لهذا الضعف أثره على مسرح الحوادث.

وقد غلب على الخلفاء العباسيين في العصور المتأخرة لبني العباس، الميل إلى الحنابلة، فدعموهم، وربما كان هذا من أسباب إطلاق أيدي الحنابلة على الشيعة، ولم يكن هذا اقتناعاً فقط من أغلب الخلفاء بالمعتقد؛ بل كان أيضاً تحقيقاً لمصالح سياسية؛ بسبب تربص الفاطميين للانقضاض على الخلافة، فرأى الخلفاء العباسيون ضرورة قمع الشيعة؛ كي لا يتواطأوا معهم.

وقد رأينا مثالاً بما حدث في فتنة البساسيري منتصف القرن الخامس الهجري؛ ومحاولة تسليم بغداد للفاطميين، ومؤازرة الشيعة لهذا التحرك.

كما أن البويهيين الشيعة المائلين للاعتزال، عندما دخلوا بغداد أهانوا مقام الخلافة بما لم يحدث له نظير من قبل ومن بعد، ووصل الأمر لخلع وسجن الخلفاء -وإن كان السلاجقة السُنة أيضاً قد حدثت منهم خطوب تسببت في مقتل الخليفة المسترشد وابنه الراشد، وغيرها- لذا وبناء على هذه المقدمات، فقد تعدى الأمر من مجرد الدعم الخفي من الخلفاء للحنابلة إلى أن صرّح الخليفة القادر بالله بأنه على عقيدة الحنابلة، واستقوى على البويهيين بالغزنويين من بيت سُبكتكين الذين برزوا في بلاد فارس، وكانوا سُنة كرّامية ذوي عقيدة تجسيمية، كما كتب القادر بالله محضراً بالطعن في نسب الفاطميين سنة 402هـ، وأشهد عليه الأشراف.

كذا استتاب ‏القادر بالله المعتزلة والشيعة‏ من عقائدهم، ومنعهم من تدريسها سنة 408هـ، ثم ‏كتب كتاباً عُرف باسم "العقيدة ‏القادرية"، يوافق عقيدة الحنابلة، ألزم فيه الرعية بأن هذا هو ‏اعتقاد المسلمين الصحيح.

وكان ابنه القائم ‏بالله أيضاً حنبلياً، ‏وقد جاوزت مدة خلافتهما معاً 85 سنة؛ وربما كانت شدة القادر والقائم على الشيعة، سبباً أساسياً في تمرد الشيعة ومؤازرة البساسيري في فتنته، والتي استهدفت خلع القائم بالله، ومبايعة الخليفة الفاطمي.

وقد شكّلت وفاة القائم بالله خسارة كبيرة للحنابلة، خاصة في الوقت الذي دعم فيه وزير السلاجقة "نظام الملك" العقيدة الأشعرية.

وقد دارت الأيام بعد ذلك، حتى حلّ زمن سقوط بغداد بأيدي التتار، في القرن السابع الهجري، وأظهر التتر فيه التشيع بالعراق، فأمروا الخطباء بألا يأتوا على سيرة أحد من ‏الصحابة إلا علي بن أبي طالب وولديه رضي الله عنهم، واضطروا بذلك الخطباء والفقهاء الحنابلة ‏ببغداد إلى أن يفعلوا ما كانوا يقيمون الدنيا على الشيعة لأجله!

دخل السلاجقة بغداد سنة 447هـ، وكانوا سُنة أحنافاً، ولكن كان وزير السلطان ألب أرسلان، والذي وزر من بعده لابنه السلطان ملكشاه هو الوزير "نظام الملك" الأشعري الشافعي، واستمر في الوزارة 29 سنة متصلة، لم يُنكب فيها.

أنشأ في مدة وزارته المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وبلخ وهراة وأصفهان والبصرة والموصل ومرو وطبرستان، وأجرى الرواتب على الفقهاء وطلاب العلم، وكانت تلك المدارس مخصصة لتدريس العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي، ورغم أن أغلب المالكية أشاعرة فإنه كان يُشترط لتعيين مدرّس في مدرسة نظامية أن يكون شافعياً، ثم وزر من بعده الوزير تاج الملك أبو ‏الغنائم، والذي كان قد أنشأ المدرسة التاجية أيضاً لتدريس المذهب الشافعي، فكان على نهج "نظام الملك" فيما يخص المذاهب رغم كونه من خصومه السياسيين -وإن كان لم تطل مدته في الوزارة فمات بعد "نظام الملك" والسلطان ملكشاه بشهور- فارتفع نجم الأشاعرة ومعها المذهب الشافعي ببلاد فارس والعراق.

وسبحان مغير الأحوال! لأنه قبلها بعشر سنوات، عندما وزر عميد المُلك الكندري المعتزلي للسلطان طُغرلبك السلجوقي لُعن الأشاعرة على المنابر بنيسابور وسائر بلاد فارس.

وقد أثرت المدارس التي أنشأها الخلفاء والأمراء والوزراء في نشر بعض المذاهب، خاصة الشافعي، حيث لم يكن يتعلم بأي مدرسة إلا من أراد التمذهب بمذهب علمائها، أصولاً وفروعاً.

كانت النظاميات جزءاً أساسياً من مشروع "نظام المُلك" لنشر التسنن في مقابل التشيع الذي كان قد ساد بمذاهبه المختلفة أواخر القرن الثالث وطوال القرن الرابع الهجريين.

وقد أدرك حنابلة بغداد بعد فترة أنه قد نشأ لهم معارض جديد من جنسهم نفسه، فالنظاميات تنشر العقيدة الأشعرية التي تختلف اختلافاً كبيراً عن عقيدتهم التجسيمية، وإن كانوا سُنة.

وسنرى أنه عندما حدثت الخلافات بين الخلفاء العباسيين والسلاجقة، واستقوى العباسيون، ولّى الخليفة المقتفي لأمر الله الوزارة الوزير الحنبلي ابن هُبيرة، والذي حدثت في عهده الكثير من المضايقات لعلماء المدرسة النظامية ببغداد الأشاعرة.

وقد سار الزنكيون، وكانوا عمال السلاجقة في الشام على هديهم نفسه، فبنى نور الدين محمود زنكي، أكبر دار للحديث بدمشق في القرن السادس الهجري، وولّاها للحافظ الأشعري ابن عساكر، كما بنى نور الدين محمود المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية، وبعض المدارس للمالكية والحنابلة.

كما شرع نور الدين محمود في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية بدمشق ‏‏سنة 568هـ، فأدركه الأجل قبل ذلك، وهي العادلية الكبيرة التي عمّرها بعده الملك العادل أبو ‏‏بكر بن أيوب.

وعندما ملك السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبي مصر، كان من خدامه: عماد الدين الأصفهاني وبهاء الدين شداد اللذان كانا ممن تتلمذوا في المدرسة النظامية ببغداد.

وفي سنة 566هـ، عزل صلاح الدين قُضاة مصر؛ لأنهم كانوا ‏‏شيعة، وولّى القضاء بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني الشافعي، واستناب ‏‏في سائر الأعمال الشافعية، وبنى مدرسة للشافعية، وأخرى للمالكية.

واشترى ابن أخيه تقي ‏‏الدين عمر بن شاهنشاه داراً كانت تُعرف بمنازل العز، وجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها ‏‏الروضة وغيرها، كما أمر الناصر صلاح الدين ببناء مدرسة للشافعية على قبر الإمام الشافعي ‏‏بمصر سنة 572هـ. ذكر الأخبار ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج16، ص447-519).‏

وتتابع بناء المدارس الشافعية بمصر في العصر الأيوبي حتى بلغ عددها 14 مدرسة، وبهذا وجدت العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي فرصة ذهبية للانتشار بين العامة في مصر والشام.

كما خُصصت 10 مدارس للمالكية، وهي أيضاً أشاعرة، ومدرسة تدرس كلا المذهبين الشافعي والمالكي، و6 مدارس للحنفية، وفي نهاية العصر الأيوبي بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب المدرسة الصالحية، وهي أول مدرسة تُدرِّس المذاهب الأربعة.

وعلى ذكر مصر، يُقال إنه لم يُعرف الحنابلة بمصر إلا في عهد الأيوبيين؛ لأن العقيدة والمذهب الحنبليين لم يبدآ في الانتشار خارج بغداد إلا في القرن الرابع الهجري، وكانت مصر وقتها تحت الحكم الفاطمي، وإن لم ينتشر المذهب بها إلا عندما ولي القضاء للحنابلة موفق الدين عبد الله الحجاوي لما يزيد على الثلاثين عاماً (738-769هـ)، وكان ذلك في دولة المماليك.

وكان من تلاميذ المدرسة النظامية ببغداد أيضاً، عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، والذي عمل على نشر العقيدة الأشعرية بطرابلس الغرب وما تلاها من بلاد المغرب العربي، فسادت بها لكن مع المذهب المالكي؛ ذلك أن المعز بن باديس لمّا خلع طاعة الفاطميين في القرن الخامس الهجري، أنهى الوجود الشيعي في شمال إفريقيا، ولم يكتف بذلك؛ بل أصرّ على إعادة الناس إلى مذهب الإمام مالك تحديداً من بين مذاهب أهل السُنة.

وكان المذهب المالكي الأكثر شيوعاً في الشمال الإفريقي قبل ظهور الفاطميين، كما كان أغلب الأحناف بالمغرب العربي معتزلة، وهو متحول للتبعية للخليفة العباسي القائم بأمر الله الحنبلي، ابن الخليفة القادر بالله، والمذهب الحنفي لا يستقيم وهذا التغيير السياسي الذي أحدثه، فاختار مذهب مالك.

يقول الذهبي في ترجمته بـ"السير" (ج18، ص140): "وكان مذهب الإمام أبي حنيفة قد كثُر بإفريقية، فحمل أهل بلاده على مذهب مالك؛ حسماً لمادة الخلاف" أهـ.
‏ نتابع حديثنا في الجزء الثالث من المقال.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.