المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجاهد رشيد اربيع Headshot

رحلتي مع العنصرية في مطار سريلانكا

تم النشر: تم التحديث:

في الطائرة، إلى جوار النافذة الصغيرة بإطارها الكبير بما تحاول جمعه، في رحلة حياتي الأولى مغترباً بقصد الدراسة، تستطيع أن تسمع أصوات المحركات والأحزمة بوضوح غير اعتيادي هذه المرة، لا حديث بينك وبين من اعتدت السفر معهم.

لا يوجد معك هنا إلا نفسك بكل خبيئاتها وتناقضاتها ومراجعتها، والتخيلات والتأملات التي يحاول قلم بلا غطاة ودفتر صغير وجو مشتت ومتكأة صغيرة وكرسي ضيق أن يجمعها، فلا تطير إذا عاد صاحبها -لبيئته المريحة- أن يتذكرها وأن يعتبر..

اشتد اهتزاز الطائرة على غير المعتاد بعد طول إقلاع، فهدأ صخب الأفلام والصحون والكؤوس وعاد الكل من نشاطه وتفاعله لنفسه، ولجأ كل تجمع صغير لفرديته في الطائرة يدعو ويغمض عينيه ويشابك الأيدي وينظر للسماء.
لهذا الحدث عودة في نهاية المقال..

نزلت بمطار كولومبو بسريلانكا، عائداً للوطن العربي.. الوطن الذي أحبه رغم ضعف دلالات حبه لي ولوجودي على ترابه.. استوحشتُ تلك الساعات التي قضيتها بانتظار طائرة العودة أكثر ربما من وحشة السائر في حاراتٍ مهجورة وسط شتاء شديد الهواء بلا ثلج أبيض باعث على الأمان ولا نار قريبة أو مصابيح.

كنا إذْ اعتدنا الفصاحة في بلادنا أثناء تعبيرنا عن أنفسنا أو حاجاتنا أو أعذارنا عند مقابلة رجال الشرطة أو المسؤولين في المطارات وتعلمنا أصول "الفهلوة" و"الشطارة" والكلام المعسول والتودد المصلحي عند الشراء والبيع والتعامل، أجدني عاجزاً حينها -كما كل غريب- عن التحدث بلغة القوم في المطار الآخر، ضعيفاً متلعثماً وملدوغ اللسان ثقيله.

كان جهلي بالمكان وطباع أهله كبيراً مسبباً للوحشة، وحاجتي لصديق أو صاحب أو مطَمئنٍ عالية -رغم أن لا مبرر لهذا القلق ابتداءً- وتشوقي لبشاشة الوجوه حولي وتواصل الأعين وتخاطب الأجساد عالياً على غير العادة.

كان رجال الشرطة هناك طيبين بطيبة رائحة الشاي السريلانكي بلا جلافة أو تكبر كثير الانتشار في بلادنا.
سألت أحدهم متلعثماً بلغة ضعيفة عن مكان طائرتي فاجتهد ببشاشة أن يدلني، وكان كثير من الناس -الذين اعتدت ازدراءهم في السابق- ضباطاً وحراساً ورجال أعمال وقامات محترمة نظيفة وشديدة التواضع والطيب والتواصل البصري الحاني!!

يا الله.. كم يختلف شعور التنظير عن عيش المعاينة!!

كنا نديم التنظير بين أصدقائنا عن حق العمالة، وأخوة الدين، وتساوي الإنسانية، وتفاضل الناس بالاجتهاد والمواهب والعمل لا الأصول والألقاب.. غير أننا لم نعاين الشعور مباشرة، ولم تخل مخالطتنا المجتمع من بقايا غرور وأنفة خاوية واهية في غير حق.
وكنت أكمل سيري مندهشاً في تحليل هذه الأمة الكبيرة والثرية بتراثها الذي نجهله.

ثم رأيت ذلك المشهد عند وصولي للبوابة التي تقلع منها طائرة الشق الأخير من رحلتي.. أم صغيرة وجميلة، في ريعان سن الأمومة والنشاط، مكتسية الثوب السريلانكي الجميل تقوم بتوديع أسرتها كاملة وهي تبكي.
مشهد يخلع القلب؛ لا لمجرد احتضانها لأطفالها ثم زوجها ثم عودتها مرة أخرى لاحتضانهم بنفس الترتيب مراراً، ولا لكون الجميع يبكي باستثناء الأب الذي يحبس الدمعة مكابراً لأجل أبنائه فقط؛ بل لأني أعلم الظروف التي قد تقبل عليها المرأة والتي لأجلها كبرت هذه الملحمة الوداعية وزاد حضورها في المكان.
الأم تودع أسرتها للذهاب عاملة منزلية عند الأسر العربية المترفة، قد تغيب عدة أعوام قبل أن تسمح لها الظروف بالعودة، ستكون رأت أبناءها وقد تغيرت ملامحهم وقتها متأملة أن يبادلوها نفس الحب الذي بادلته إياهم أيام السابق البسيط، هذا في الشق الآمِن من القصة حيث لا ظلم ولا تعسف ولا سرقات للرواتب ولا منع للعطل والحقوق العامة، فضلا عن كونها لا تتحدث العربية بعد ومقبلة على غربة كبيرة بسبب الحاجة دونما أي سند أو حبيب أو فرد أسرة.

كانت تلك من المرات القليلة التي أشعر لدرجة العيش إن صح تعبيري عن الفكرة.
كنت لأني وحيد في ظرف مشابه -نسبي ولحظي مؤقت- أحس بها وبحزنها وقلقها وخوفها، وأتخيل السيناريوهات المختلفة التي قد تمر عليها وأدعو الله أن يرزقها أهل بيت صالح يعطيها حقها.

يقتلنا التناقض في العنصرية التي تجعلنا ننظر لهؤلاء كطبقة أخرى مقتلعة من لا أصل ولا تراب في الوقت الذي نطالب فيه المجتمعات الغربية بالتوقف عن السلوك العنصري تجاهنا في التعامل اليومي وفي السياسة القذرة التي لا تساوي دمنا بدم الرجل الأصفر الغربي.
منا نحن أول التغيير..

في الطائرة تحولتُ من ضيف قبل ساعات لمضيف ينظر إلى الجميع بذات النظرة التي كنت أنظر إليهم على أرضهم بها.
غير أن بواقي الأنفة الزائفة كانت قُتلت في المهد قبل أن تكبر وتطغى بفضل هؤلاء الطيبين...

عودة للبداية عند اهتزاز الطائرة..
يكمن أحد أسرار تكوين الإيمان والقيم الراسخة -كاللاعنصرية والتواضع- في الانفصال عن المحيط بين الفترة والأخرى بما لا يناقض العمل الجماعي والإنتاج المستمر في البيئة، غير أنه انفصال تأمل وتفكر..
الذي يسافر وحده، ويتعرض للخطر وحده، ويغير بيئته باستمرار، يبني من القناعات الأقرب للصواب ما لا يبنيه المستريح العزيز في بيئة واحدة تقدر لقبه وأباه والأصل الذي انحدر منه فقط!

ثم في ظاهرة عند الوصول للمطار خشينا أنها انطباع أولي لما قد يواجه صديقتنا الوالدة.. كان ثمة طابور طويل ممتد للعمالة، وآخر سريع لأهل البلد والعرب!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.