المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجاهد رشيد اربيع Headshot

حتى إبليس ... لديه جانب خير !!

تم النشر: تم التحديث:

تبدأ القصة في كل بيت كبير ربما؛ تسمع فيه حديث بعض الأقارب عن البعض الآخر، قل مثلاً حماةٌ تجاه أخرى؛ تختم فيها السيدة المفترضة هنا تلك الموجات الطويلة من الشكاوى والاعتراضات وبيان التجاوزات كلامها بجملة كثيرة التردد تجاه غريمتها: "والله ما فيها ذرة خير"!

وتمتد هذه القصة لتصل إلى العمل الطلابي والخيري والمؤسسي؛ فتتحول تلك الجملة إلى سلوك عملي إقصائي لا يرى في المنافسين إلا خطراً وشرًّا واجب النزع لا خير في وجوده..
قد تسمع هنا قول أحدهم: "لن تنتصر الأمة وفيها هؤلاء" و "هذا مُنظّر لا يجيد العمل" و"ذاك رجل يعمل على عماها دون فهم".

وتنتهي في شركاء الوطن، والطوائف الأخرى، وفي الأمم المنافسة، وفي الدول التي تحاربنا..

حين نقرأ القرآن بأعمق من قراءة التجويد ومخرج الحرف واللحن الجميل..
لن تمر علينا الآية في خطاب إبليس لله -سبحانه-: ( قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) مرور الكرام السريع على موائد دُعاتهم.
نرى فيها أولاً؛ أن إبليس مصدر الشر وأصل أعدائنا والمأمورون بعداوته في القرآن يُظهر اعترافا ضمنيا بربوبية الله عز وجل وحاجته إليه وهذا جانب خير لا يلغي عصيانه أمر الله وطغيانه في إفساد البشرية وسفك الدم واستحلال الفروج.

أما ثانياً وهو أعظم؛ فإنا نرى عدل الله في خطاب القرآن حتى في من يعصيه؛ إذ تذكر الآية هذا الجانب في الخطاب ولا تمحيه، ولا تجعلنا مغلقي الأعين عن الخير الموجود في خصومنا رغم استمرار معاركنا معهم.. وهذا منهج القوي -سبحانه- وكل الأقوياء من بعده وله المثل الأعلى!

وبعيدا عن التأكيد على أن العداء لا بد أن يُصرف تجاه الجهة الصحيحة المستحقة له، وعن كون الكثير من الذين نعاديهم حولنا هم أهلنا، وأصدقاؤنا وأبناء أمتنا، وأنهم حائط الصد الأول عنا إذا اشتد الخطب واقتحم الغزاة.
فإن العداء نفسه إن وُجد، وافترضنا جدلا استحقاق "العدو" له فإنه لا يعني الوقوع في الظلم أو فقد الموضوعية ولا انعدام التجرد.
وهو لا يعني على الإطلاق طمس الحقيقة، ولا إطلاق التعميمات الظالمة، ولا الحدية في التوصيف بانعدام الخير أو جوانب القوة والتميز في الخصوم.

قد يصعب على رجل "سني" الاعتراف بجوانب القوة لدى غريمه "الشيعي" كونه صاحب مشروع توسعي يضحي لأجله ويبذل فيه الغالي والنفيس لوجود العداء بينهما ابتداءً..
تماماً كما يصعب على "فلسطيني حمساوي" الاعتراف بفضائل "فتح" في تاريخ النضال الفلسطيني وهو لا يرى أبو عمار إلا في "اتفاقية أوسلو" بعيدا عن رصيده الكارزمي عالميا كرجل ثورة لقضية عادلة..

وهذا حاصل في كثير من تقاطعات المشاريع الفكرية والسياسية في العالم العربي المسلم، بل وحتى في نخبهِ المثقفة المطلوب منها جمع الناس وتفهم طبائع الخلاف والتنازع والمغالبة .
الشعراء ينتقدون الباحثين الجامدين، العلماء يرون في الفنانين حركة سطحية فارغة، المقاتلون يرون الدنيا من منظور السيف فقط مستثنين المفكرين، والكتّاب يرونهم طائشين فاقدين لحكمة القلم والتأمل..
وكلهم أصابوا من حيث أخطأوا..
فنقاط القوة لكل مشروع وشخص، هي ذاتها موجدة لنقاط ضعف أخرى مقابلها ما دام العنصر بشريًّا لا ضمانة ربانية لكماله وسموّه؛ والحل هنا بالعمل الجماعي المغطي للعيوب والنقص وأساسه التجرد والموضوعية والعدالة.
ولا أطلب هنا بالضرورة التصريح بتلك الميزات؛ فلكل حالة تداعياتها وتطبيقاتها، وليس الخطاب هنا حمائميا طالبا للسماح الضعيف والعفو الجبان، وليس في المقال دعوة لاغتفار الظلم والدم المسفوك حراماً والحقوق المنزوعة والمذابح المشيدة باسم الدين أو حرب الإرهاب.
ولكنها دعوة للإدراك العميق، والصعب أن الأعداء ليسوا شرًّا مطلقاً، وأن فيهم من الميزات ما أهلهم لدورهم وتصدرهم؛ وأن في وجودهم حتى حافزاً لنا على مزيد الحراك والإبداع والتميز.

إذا قاربت شعور الفجور في خصومة ما، أو تنافس أو منازعة فتذكر..

حتى إبليس أبو الشر في الأرض وأول العاصين في حكاية الصراع البشري الطويل.. لديه جانب خير..
حارب بعدل.. كن عبد القوي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.