المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجاهد الطائي Headshot

تظاهرات العراق.. صراع سلطات الدولة مع سلطات اللادولة ؟!

تم النشر: تم التحديث:

لا شك أن التظاهر يُمثل سلوكًا حضاريًّا يمارسهُ مواطنو البلدان المتحضرة والمَحكومة بقوانين مُرتكزة على أساس دستوري رصين يحترمها الجميع الحاكم والمحكوم؛ لكي تُحقق تلك القناة أو الوسيلة أهداف المتظاهرين وغاياتهم.

في العراق بُنيت العملية السياسية ومنذ عام 2003م على أساس توازن القوى المُختل؛ مما سَمح للقوى السياسية والإقليمية والدولية أن تستخدم الوسائل المشروعة وغير المشروعة بشكل دائم؛ لتغيير ذلك التوازن لصالحها، صاحب ذلك تَسرب للسلطة في المجتمع بيد أحزاب وقوى ذات مشاريع تنافس سلطة الدولة في النفوذ والتأثير كالسلطات الدينية المتمثلة بالمرجعيات وسلطة المليشيات وزعمائها من رجال الدين، إضافة إلى تقاسم النفوذ والمال بين الإحزاب المتنفذة والمتنافسة فيما بينها، فهذه السلطات الغير رسمية تعمل في بعض الأحيان ضد الدولة، كما وتعمل جنبًا إلى جنب مع الدولة في ترسيخ المشروع الإيراني في العراق.

إن أي طارئ كالتظاهر يؤدي إلى تغيير ميزان القوى وتوزيع السلطات الرسمية وغير الرسمية، خاصة إذا استُغلت بشكل صحيح من قِبل القوى في داخل العملية السياسية وخارجها؛ لذا سيقاوم الآخرون المحافظة على ذلك الميزان لصالحهم؛ مما يؤدي إلى الصراع والصِدام. أن القدرة على الفعل وتغيير ميزان القوى أو التأثير دائمًا ما كان يبدأ من النخب والقوى السياسية ومن المعارضة غير الشعبية، إلا أن هذه المرة الثالثة في العراق تنتقل المعارضة والتأثير إلى الشارع بالإحتجاج السلمي، وبمعارضة شيعية هذه المرة وفي مناطق نفوذ الحكومة ومن يساندها، فهي حتمًا ستؤدي إلى صراع دموي بين أصحاب السلطة الرسمية وأصحاب السلطة غير الرسمية فيما بينها وبين من أصبح معارض للحكومة في الفترة الأخيرة بعد قرارات العبادي.

فالتغيرات والقرارات التي أصدرها لعبادي ضربت التوافقات وتوازن القوى عرض الحائط ، في محاولة لإرضاء الجماهير الساخطة على الحكومة جراء الفساد والإهمال المستشري في البلاد وبأي ثمن ومحاسبة المفسدين وعلى حساب الشركاء التقليديين، علمًا بأن التظاهرات والاحتجاجات السلمية وغير السلمية السابقة السنية والشيعية المعارضة للنفوذ الإيراني أو للحكومة أو لسطوة الأحزاب المتنفذة، انتهت بالتخوين والإتهام والقمع والتعامل الوحشي، فلو رجعنا إلى تعامل المليشيات والقوات الحكومية مع جماعة "جند السماء" الشيعية في عام 2007 م لوجدنا أن التعامل كان وحشيًا بامتياز، إضافة إلى معارضة المرجع الصرخي الدينية عام 2014 انتهت بالقمع والوحشية لمؤيديه أيضًا، وتظاهرات شباط 2011م في بغداد قُمعت أيضًا علمآ أنها كانت تشترك مع تظاهرات اليوم من حيث الأسباب والشعارات وتختلف معها من حيث من يقف وراءها، إضافة إلى تظاهرات المدن السنية الستة التي انتفضت ضد الظلم والإقصاء والاستهداف، والتي انتهت بمكافحة الإرهاب ومجيء "داعش".

لكن مايثير التساءل والحيرة هذا التحول المفاجئ من تظاهرات كانت ضد الحكومة إلى تظاهرات مؤيدة للحكومة بين ليلة وضحاها وكأن المطالب قد تَحققت، إضافة إلى قبول فكرة التظاهر والمعارضة التي بقيت محصورة في العراق ضمن دائرة المؤامرة؟ فلماذا تقصف المدن السنية المنتفضة بالبراميل المتفجرة؟ ولماذا تُقمع التظاهرات والاحتجاجات السابقة وتُترك لرحمة المليشيات، بينما يتم حماية هذه التظاهرات بقوات أمنية؟ كما ويُصدر رئيس الوزراء قائمة إصلاحات استهدفت خصومهِ بالدرجة الأساس (خصوم اللادولة) من أصحاب السلطة غير الرسمية والنفوذ والمليشيات ونسفت كل التوافقات السياسية السابقة في تشكيل الحكومة بإلغاء نواب الرئاسات (الجمهورية، الوزراء)؛ إرضاءً للشارع الشيعي الغاضب وبشرعيته الشارع والمراجع والبرلمان.

هذه التساؤلات ستجيب عليها نتائج الصراع في الأسابيع المقبلة التي ستشهد مرحلة جديدة من الصراع بين عناصر سلطة الدولة وعناصر سلطة اللادولة، بقواعد جديدة وبخانة واحدة مع "داعش" وبين أصدقاء وحلفاء الأمس، ومن بين الذين كانوا وما زالوا متحالفين ضد "داعش" من المليشيات المتنفذة، والمالكي ونفوذه الذي أسسهُ على مدى أكثر من ثماني سنوات من حُكمه، فأقطابهم ستتنافس على قيادة النفوذ الإيراني الذي ربما أصبح رئيس الوزراء يُمثله مؤخرًا وبسلطة الدولة بعد الاتفاق النووي مع غياب الوسائل والسُبل المشروعة في التنافس، فالصراع الشيعي - الشيعي بمناطقهم المليئة بالمليشيات سيكون بمثابة سلة مليئة بالعقارب ستتصارع فيما بينها وستكون الغلبة في النهاية لسلطة الدولة الهشة؛ لموقف المرجعية وسلطتها وتأثيرها في نفوس الشيعة، والبرلمان وتصويته لصالح الإصلاحات، إضافة لتأييد الشارع الشعبي ضد المفسدين الذين أصبح جزءًا منهم ضمن دائرة الاستهداف والملاحقة القضائية. لكن ستبقى الحلول والإصلاحات ترقيعية وإن كانت مرضية للشارع والمرجعية وإن بدت أنها تؤكد سلطة الدولة؛ لأن الخلل في العراق بنيوي دستوري، وبناء العملية السياسية على أساس توازن القوى وغيرها من الأسس الخاطئة، كالمحاصصة والدستور المختلف عليه، والمشاريع غير الوطنية للحكومات المتعاقبة؛ لذا تلك القيادة الفاشلة أوصلت العراق إلى مصافي البلدان الفاشلة، ولكن لن يكون صراعًا صفريًّا فإيران دائمًا ما كانت الأب الروحي والناصح للخلافات الشيعية - الشيعية في العراق والمنطقة.