المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهتدي المزعل Headshot

كم حلمًا قتلت في حياتك؟

تم النشر: تم التحديث:

كم مرة خططت فيها لهدف ما ولم تكمله؟ تشترك في النادي، يغلب عليك الحماس لشهر أو شهرين ثم تتوقف عن الذهاب. تخطط لقراءة كتاب في كل شهر، وتمر ١٠ أشهر دون أن تكمل كتابًا واًحدا. كثيرة هي الأحلام والأهداف التي تُكتب على الورق وتموت في ريعان شبابها أو حتى قبل أن تبدأ. لماذا نفشل في استكمال أهدافنا؟ ما السبب وراء ضعف قوة إرادتنا أو قصر عمرها؟ لماذا يتميز بعضنا بقوة إرادة أكثر من غيره؟

بعض الدراسات تقول: إن قوة الإرادة تعتمد على مدى قدرتك على مقاومة ما حولك من محفزات عاطفية وهي مهارة يتميز بها بعض الأشخاص دون غيرهم وقد تظهر بوادر هذه المهارة عندهم منذ الصغر. في عام ١٩٦٠ ميلادي قام مجموعة من الباحثين بعمل تجربة لقياس قوة الإرادة عند مجموعة من الأطفال. قام الباحثون بإعطاء كل طفل حبة مارشملو واحدة، وأخبروهم أن بإمكانهم الحصول على حبة مارشملو ثانية في حال انتظروا بعض الوقت بشرط أن لا يأكلوا المارشملو الذي بحوزتهم. بعدها قاموا بمراقبة أفعال الأطفال ومدى قوة إرادتهم لتحقيق الهدف الأسمى وهو الحصول على حبة المارشملو الثانية. البعض انتظر ولم يأكل حبة المارشملو والبعض الآخر أكلها بمجرد خروج الباحث من الغرفة.

بعض الدراسات الأخرى تقول: إن قوة الإرادة ليست مهارة تولد مع الإنسان بل هي أشبه بعضلة من عضلاته، تضعف عند تجاهلها وتتعب عند استنزاف طاقتها وتنمو عند الاهتمام بها. قام مجموعه من الباحثين في عام ١٩٩٨ ميلادي بعمل تجربة لإثبات هذه الفرضية. بدأت التجربة بتقسيم المتطوعين لمجموعتين وقاموا بإعطاء كل مجموعة طبقًا من الكوكيز الساخنة وطبقًا آخر من الفجل. بعد ذلك طلبوا من المجموعة الأولى أكل بعض حبات الفجل وعدم لمس طبق الكوكيز، أما المجموعة الثانية طلبوا منها الأكل من طبق الكوكيز وعدم لمس طبق الفجل. المجموعة الثانية لم تجد أي مشكله بكل تأكيد بعمل ما طُلب منها أما المجموعة الأولى فقد كانوا تحت تحدٍّ أكبر، فليس من السهل مقاومة رائحة طبق الكوكيز الساخنة من أجل طبق من الفجل. على الرغم من الصعوبة التي واجهت المجموعة الأولى، إلا إن القسم الأول من التجربة انتهى بنجاح المجموعتين بعمل ما طُلب منهم. في الجزء الثاني من التجربة قام الباحثون بإعطاء كل مجموعه مسألة حسابية شبه مستحيلة الحل وأخبروهم بإمكانية انسحابهم في أي وقت. المجموعة التي طُلب منها أكل الكوكيز في الجزء الأول من التجربة حاولوا حل المسألة لمدة ١٩ دقيقة ثم انسحبوا، أما المجموعة التي أكلت الفجل لم يصبروا أكثر من دقيقتين ليعلنوا بعد ذلك انسحابهم وتذمرهم من التجربة كلها وأنها بلا فائدة تُذكر. السبب في ذلك هو أن المجموعة التي أكلت الفجل استنزفت طاقة أكبر في الجزء الأول من التجربة، ولذلك فقدوا الإرادة والإصرار لإكمال التجربة في جزئها الثاني.

التجربة الأخيرة أثبتت أن قوة الإرادة عند الإنسان مرنة إلى حد كبير، وهذا يفسر حماسنا لتحقيق أهدافنا في بدايتها لكننا لا نلبث أن ننساها بسبب استنزاف طاقتنا في أمور قد تكون ثانوية. كثيرة هي الأمثلة في حياتنا التي تتشابه مع نتائج التجربة السابقة. هدفك اليومي للذهاب للنادي يموت بسبب يوم سيّء في العمل، هدفك لإنقاص وزنك يتلاشى بسبب بعض التعليقات المحبطة، حلمك لافتتاح عملك الخاص بك تنساه يومًا بعد يوم وذلك لاستنزاف طاقتك في وظيفتك.

هناك تأثيرات كثيرة تؤثر سلبًا على قوة إرادة الانسان في تحقيقه لأهدافه، وهو أمر طبيعي جدًّا. لكن من المهم الإيمان أن قوة الإرادة، على الرغم من ضعفها في بعض الأحيان، ستنمو في حال وجدت التمرين المناسب. أحد الطرق لتنمية قوة الإرادة وتدريبها على الاستمرارية هو تفكيك الهدف أو الحلم طويل المدى إلى أهداف قصيرة يتم تحقيقها في زمن أقصر. غالبيتنا يستهلك جل طاقته في التركيز على أهداف طويلة المدى مما يستنزف قوة الإرادة لدينا ويجعلنا نتراجع عن استكمال أهدافنا، وذلك لعدم وجود نتائج ملموسة. التركيز على أهداف قصيرة المدى وتحقيق النجاحات فيها سيكون بمثابة التغذية والتمرين لقوة إرادتك وسيكون حجر الأساس لتحقيق باقي الأهداف. على سبيل المثال: بدل أن يكون هدفك الأولي هو إنزال وزنك بمقدار ١٥ كجم على مدى ٣ أشهر، اجعل هدفك الأولي الالتزام بالذهاب إلى النادي بمعدل ١٥ يوم في الشهر. بعد النجاح في تحقيق هذا الهدف يكون هدفك التالي هو إنزال وزنك بمعدل ٤ كجم في الشهر. وبالمثل، بدل التخطيط لقراءة كتاب أو كتابين في الشهر، خطط لقراءة ٢٠ صفحة في اليوم.

تنمية قوة الإرادة وتدريبها على هذا النمط سيحولها فيما بعد إلى عادة تستمر مع الإنسان على المدى الطويل وتساعده على تحقيق أهدافه. تجربة المارشملو التي تطرقت لها في بداية المقال حدثت في عام ١٩٦٠ ميلادي. على مدى ٥٠ سنة، قام الباحثون بمتابعة الأطفال المشاركين في التجربة لقياس مدى استمرارية قوة إرادتهم وتأثيرها على حياتهم. أثبتت نتائج هذه المتابعة أن من غَلَبَت قوة إرادته على عاطفته في التجربة استمر بتحقيق النجاحات في حياته الشخصية والعملية وحتى في اختبارات القبول بالجامعة. هذه التجربة تثبت أن النجاحات البسيطة هي المغذي الذي يعمل على استمرارية قوة الإرادة لتحقيق نجاحات أكبر.

مشكلتنا أننا نستنزف طاقتنا داخل هموم الحياة ومشاغلها لدرجة تنسينا أحلامنا. نكبر وتكبر أحلامنا معنا لكنها للأسف تشيب وتموت قبل أن نلقاها لأننا ببساطة قتلناها بضعف إرادتنا.

مهتدي المزعل
@muhtada89

المصادر:
Duhigg, C. 2012. The Power of Habit.