المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محسن الإفرنجي Headshot

"مُلهمة" لكنها "يتيمة"

تم النشر: تم التحديث:

مرَّ عام على اندلاع انتفاضة القدس المباركة، وحل عام آخر، ولا تزال التخمينات متواصلة حول إمكانية استمرارها مع التصعيد أو توقفها أو وقفها أو تطورها، وانتقالها لمراحل متقدمة.. انتفاضة قدم خلالها الشعب الفلسطيني، ولا يزال، المزيد من الشهداء والجرحى والأسرى، وغير ذلك من ضحايا سياسات الاحتلال العدوانية، كما قدم نماذج نوعية و"واعدة" من المقاومة التي زلزت كيان المحتل، وضربت عمق نظريته الأمنية، رغم بساطة وسائلها المستخدمة.

مرَّ عام شهد بطولات غير مسبوقة للشباب الفلسطيني "المُلهم"، الذي تألق بمقاومته، ففاق أداؤه كل التوقعات حتى الفلسطينية منها، وبدا واضحاً للعيان أن الجيل الجديد عصي على النسيان، رغم كل المؤامرات التي تحاك ضده؛ لتزييف وعيه، وثنيه عن مواصلة ومقارعة الاحتلال.

ولا شك أن أهم علامة فارقة في انتفاضة القدس هي أن مَن فجَّرها ويقودها هو ذلك الجيل المثقف الواعي البسيط الذي لم ترعبه ولم تردعه قوة الاحتلال الغاشم عن استخدام كل ما يملك من أسلحة لمقاومة المحتل، حتى لو كانت سكيناً أو دهساً أو إلقاء حجارة وزجاجات حارقة وقنابل وأسلحة بدائية الصنع، لكنها متطورة الهدف.

ومن العوامل الجديدة التي دخلت ساحة المواجهة بقوة مع الاحتلال شبكات التواصل الاجتماعي والنشطاء الذين كان لهم أثر واضح ميدانياً وإعلامياً، لدرجة أن الاحتلال الإسرائيلي استنفر قواته لاعتقال من سمَّاهم "المحرضين"، ووجّه لوائح اتهام لبعض الشبان المقدسيين تتضمن كتابة تدوينات وبوستات تحريضية، وانتهى به المطاف إلى توقيع اتفاقية مع إدارة الفيسبوك تحت مزاعم "منع التحريض ونشر الصور والتعليقات التي تشكل خطراً على أمن الاحتلال".

وهي سابقة خطيرة بدأت ترجمتها العملية من خلال حجب إدارة الفيسبوك ووقف صفحات بعض الوكالات الإخبارية الفلسطينية والنشطاء ومصادرة حساباتهم، ولولا مجابهتها بردة فعل قوية من نشطاء التواصل الفلسطينيين وبعض التحركات "الخجولة" في الخارج احتجاجاً على سياسة التضييق ومصادرة الحريات التي تنتهجها فيسبوك لطالت قرارات وقف وحجب الصفحات المئات، وهو ما لا يزال إلا بالتصدي لهذا التعاون بصورة أقوى وأكثر تنظيماً.
أسئلة مشروعة

لكن المؤسف في تعاملنا مع الانتفاضة الحالية أننا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل في مقاومتنا التي لن تنتهي بانتهاء انتفاضة أو بدء انتفاضة ثالثة أو رابعة أو عاشرة.. فتركيزنا الأكبر يتجه صوب سياسة العد والإحصاء و"التثوير" أكثر من التركيز على الهدف والجوهر، وعلى دراسة المتغيرات والظروف الموضوعية والتداعيات والنتائج والتوظيف الجيد للانتفاضة وغيرها.

لن أركز في مقالتي هذه على الإحصاءات الخاصة بالانتفاضة من أعداد شهداء وجرحى وأسرى وهدم بيوت وإغلاق شوارع وغير ذلك من سياسات العدوان الإسرائيلي، ولكن ما يستحضرني أن الاحتلال اعترف بأن الانتفاضة "مؤلمة واستمرارها مؤرق" بالنسبة له، ويمكن الاستدلال على ذلك بقدرة المقاومين البسطاء العزل على قتل 42 مستوطناً وجندياً وإصابة أكثر من 680 بجراح مختلفة، وفق دراسة إحصائية أعدها مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني.

انتفاضة القدس التي لم نتفق على مسمى واحد لها حتى، تحتاج إلى تقييم ووقفة صادقة ومنهجية بعيداً عن الشعارات والخطب الرنانة والكلمات المجلجلة في المهرجانات والاحتفالات.
انتفاضة القدس تحتاج إلى جلسات تقييم موضوعية وعلمية لتضع إجابات لأسئلة عدة، من بينها: ماذا قدمت وحققت لنا الانتفاضة؟ وماذا قدمنا لها من سلطة وسياسيين وأحزاب وقوى مجتمع مدني ونخب مثقفة وإعلاميين ومواطنين وغيرهم؟ وكيف استثمرناها عربياً وإقليمياً ودولياً؟ وكيف يمكن استثمارها قانونياً وحقوقياً في المحافل الدولية خاصة أنها شهدت ارتكاب جرائم موثقة بالصوت والصورة أمام العالم أجمع وتحديداً جرائم الإعدام الميداني؟ وأين أبدعنا؟ وأين أخفقنا؟ وإذا كنا بحاجة ماسة لاستمرارها.. كيف يمكن الحفاظ على ديمومتها؟

أسئلة عديدة وغيرها تحتاج قبل الإجابة عنها إلى توافر ظروف ملائمة لإنجاح الانتفاضة أو المقاومة، أقل تلك الظروف هي الوحدة الوطنية وترتيب البيت الفلسطيني، وإنهاء حالة الانقسام السياسي التي أعادت قضيتنا الوطنية إلى الوراء، خاصة في ظل المتغيرات العربية والإقليمية والدولية والصراعات الدائرة.
المقاومة.. هل من أولويات؟
مقاومتنا الباسلة وانتفاضاتنا المتتالية بلا انقطاع تقدم دائماً أروع النماذج النضالية، لكنها لا تقطف أفضل الثمار ولا تحقق نتائج تليق بتضحيات شعبنا الجسام.. ما السبب يا ترى؟ في كثير من الأحيان تفتقر هذه المقاومة إلى الهدف والرؤية الواضحة المتكاملة على المديين القريب والبعيد، وإلى العمل المنهجي لا العشوائي الذي يضمن الديمومة والاستمرارية، وينهي حالة "اليتم" التي اتسمت بها انتفاضة القدس.

الهدف الدائم والحاضر باستمرار للمقاومة الفلسطينية هو مواجهة الاحتلال والعمل على كنسه من أراضينا، لكن الانتفاضات التي تندلع غالباً بدون تخطيط وجراء تصاعد وتيرة السياسات العدوانية الإسرائيلية تحتاج إلى أهداف محددة بدقة "نسبيا"، فلا يعقل أن يكون هدف انتفاضة القدس هو طرد الاحتلال رغم أننا جميعاً نسعى إلى تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي.

أعتقد أن أولويات المقاومة الفلسطينية الباسلة في الوقت الراهن تتركز على زاويتين، هما:
• إبقاء جبهة القدس المحتلة ساخنة ضد الاحتلال والمستوطنين، حتى تبقى قضية القدس حية ومطروحة باستمرار بلا تجاوز أو تجاهل وغفلة عن أمرها.

• تركيز العمل المقاوم ضد الاستيطان والمستوطنين، خاصة أنها قضية تحظى بالدعم والتأييد الدولي بدليل الحملات الدولية لمقاطعة منتوجات المستوطنات الإسرائيلية كشكل من أشكال رفض سياسات الاحتلال، رغم إدراكنا بأن المؤسسات الدولية التي أقرت عدم شرعية الاستيطان هي ذاتها من يحمي الاحتلال، لكن ثمة أصواتاً متزايدة في العالم ضد الاحتلال والاستيطان.

لا أدعي أنني أضع للمقاومة أولوياتها؛ فهي أجدر وأقدر على ذلك، كما أن قائمة الأولويات لمقارعة المحتل لا تنتهي طالما أن الاحتلال جاثم على أرضنا وصدورنا ومقدراتنا وخيرات بلادنا.

هي رغبة جامحة بألا نبقى في دائرة ردود الأفعال العاطفية والوطنية، وألا ننجر إلى معارك جانبية تستنزف قوانا وتؤثر على وحدتنا الوطنية المتأثرة أصلاً بفعل الانقسام البغيض منذ سنوات خلت.

الدروس الوطنية المهمة بل "الملهمة" التي قدمها شباب الانتفاضة الواعد المثقف يجب الاستفادة منها وعدم هدر طاقتها الإيجابية التي أفرزتها للأجيال الحالية والقادمة، والتي برهنت على قدرة الإنسان الفلسطيني على ضرب منظومة الأمن الإسرائيلي بإمكاناته البسيطة.

كما أن الحاضنة الشعبية للانتفاضة عوضتها نسبياً عن حالة "اليتم" التي بدت عليها، ولا تزال، فالفعاليات الشعبية والأهالي والروابط الأسرية تمكنت من قهر سياسات الاحتلال، بل حققت خطوات استباقية عندما قرر الاحتلال هدم منازل عدد من الفدائيين الذي لقنوا الاحتلال دروساً في فن المقاومة وتدافع الناس لاحتضان أهليهم وأطفالهم وبناء منزل بديل عن المنزل المدمر.

لست بصدد استعراض مواقف معروفة للجميع فالسلطة الفلسطينية ضد الانتفاضة قلباً وقالباً؛ لذا عملت على إجهاضها وعدم استمراريتها؛ لأنها تؤمن بأن استمرارها يؤثر على وجودها وأمنها، أما الأحزاب فتتعامل مع الانتفاضة "على استحياء" لظروف الجميع يعرفها، خاصة الأمنية، لكن هذا لا يرفع عنها العديد من المسؤوليات الأخرى تجاه الانتفاضة التي تعد الأحزاب من أشد المطالبين باستمرارها وتأجيجها.

وبكل أسف الأحزاب والقوى الفلسطينية لا تمتلك أية رؤية لاستمرار الانتفاضة غير الرغبة باستمرارها، والأهم لما بعد الانتفاضة، وكيفية استمرارها والدفع باتجاه تحقيق أهدافها إذا كانت لها أهداف واضحة من البداية.
من الضروري أن تتواجد الأحزاب والقوى وتنخرط في الانتفاضة بدون مسمياتها الواضحة والمعلنة كنوع من أنواع التكتيك والمناورة، وأن تكون بعض أشكال المقاومة "غير الفردية" أكثر تنظيماً؛ لتكون أكثر "إيلاماً" للاحتلال، بما يحفظ لها استمراريتها وعدم القدرة على وقفها أو محاربتها بشكل منظم من قِبل الاحتلال.

المقاومة حالة مستمرة لا تنتهي إلا بزوال الاحتلال.. قد تخبو وتتراجع وتختفي لبعض الوقت، لكنها تبقى حية في القلوب والضمائر.. فهل سنشهد حراكاً يناقش ويحلل ويستخلص العبر ويقدم التوصيات والملاحظات والانتقادات لأدائنا جميعاً خلال الانتفاضة؟ أم أن الوضع سيبقى كعادته متروكاً للاجتهادات ولحقل التجارب؟!