المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ريان Headshot

في صحيح إيطاليا

تم النشر: تم التحديث:

يقول مثل إيطالي: "صَنَعَ شيئًا من لا شيء"، ويقول مثل عربي "عمل من الحبة قبة". للوهلة الأولى، يبدوان متشابهين حد التطابق، لكنهما، في الحقيقة، مختلفان تمام الاختلاف، فالإيطالي يثير في المجتمع مشاعر إيجابية، ويدعو إلى الفخر والإعجاب، أما العربي فيثير مشاعر سلبية تنسج خيوط الانزعاج والتشاؤم.

وجوهر الاختلاف في استخدام المَثل وتوظيفه في المجتمع، فحين يسمع الإيطالي أن شخصًا "صنع شيئًا من لا شيء" يفسر ذلك على أن هذا الشخص استطاع أن يأتي بشيء جميل باستخدام إمكانات بسيطة وعادية، في حين أن المواطن العربي عندما يسمع أن شخصًا ما "عمل من الحبة قبة" يتضح له أن هذا الشخص طوَّر إشكالية بسيطة وصغيرة، حتى صارت مشكلة كبيرة ومستعصية على الحل، قد تصل إلى التشابك بالأيدي، أو إطلاق النار.

ليست إيطاليا أحسن حالًا من بعض البلدان العربية، لكنها، على الأقل، تعرف كيف تنشئ مواطنيها على تبني ثقافة إيجابية، لتصنع منهم مواطنين صالحين، لا يدَّخرون جهدًا في الارتقاء بوطنهم، والإسهام الفعَّال في التطوير والتقدم، وتعمل بجدٍ لتشجع الناس على النجاح والاستمتاع بالحياة.

يلمس الإيطالي ذلك، حينما يقوم بتزيين مائدة فطوره بشكل جديد، مختلف عن أي يوم سابق، لأجل الاستمتاع والشعور بالسعادة، ويستغرق وقتًا في تأمل مائدته الجميلة، قبل أن يشرع في تناولها، فيقدر الآخرون من حوله ذلك ويستمتعون معه، ويثنون عليه بالإعجاب والانبهار، على الرغم من أن ما قام به عمل شخصي، لكنه "صنع شيئًا من لا شيء". تخيّل لو أن عربيا فعل الشيء نفسه، سيكون عرضة لثلاثة خيارات: أن يتهم بالجنون، أو أن ينعت بالتفاهة، وألا ينجو من لعنة الغباء.

هناك أمثلة عربية كثيرة، رائعة وجميلة ومحفزة، والمواطن العربي أيضًا يحب الإنجاز، ويطمح غالبًا إلى النجاح والتميز، لكن انشغاله بالمحاولة المستمرة لتلبية الحاجات الأساسية للعيش، والمحاولة الجادة لاستنشاق جرعة واحدة من الأوكسجين النقي، قبل أن يسلم روحه لربه، تشغله وتلهيه عن تذوق المعاني، واستلهام الحياة منها، وتدفعه الضرورة، بقوة، إلى ميادين الحياة، فلا أمل له في الحصول على لقمة العيش، إلا أن ينتزعها من فم أخيه، والأسوأ أننا ابتلينا بحكومات قهرٍ، تصنع كل ما يمكنها لأجل إشاعة الكراهية والتهميش والعزلة بين أطياف المجتمع وشرائحه، عبر خطط منهجية على نبذ الآخر ورفضه، ورفض كل ما يصدر منه، ولو كان مفيدًا ونافعًا للجميع.

إننا بحاجة ماسة إلى إحداث تغيير حقيقي في العقل الجمعي العربي، يخلصه مما أصيب به من نكسات خُلقية وذوقية متتاليةٍ، أثقلته وأرهقت كاهله، وتزيح عن كيانه الطبقات المتراكمة من الكراهية والتنافر والتنابذ والشقاق، أورثته إياها الحياة أباً عن جد. لذا، علينا استبدالها بالحب والتآلف والتآخي، لنغرس فيه المعاني الجميلة للتعاون والود والانسجام المجتمعي والانتماء الصادق للوطن، ذلك لأننا نستحق أن نحيا حياة طيبة كريمة، يصبح فيها الوطن، بكل أطيافه وألوانه، جسدًا واحدًا لا يفتت لُحمته شيء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.