المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ريان Headshot

..القفز عن السور

تم النشر: تم التحديث:

لم أكن أتوقع أني سأشعر مرة ثانية بتلك النبضات السريعة تدب في شراييني بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من تجربتي الأولى والأخيرة في القفز عن السور ..!
استغرقت بعض الوقت في محاولة تذكره، وجهه يفيض بالبؤس والشقاء، ويغزو شعره شيء من بياض، يرتدي ملابس مجعدة، وينتعل حذاء ممزقًا متسخًا، عيناه بدت لي مألوفة، وثقته بنفسه تقول إنه يعرفني جيدًا..
ابتسم قائلًا: "كيف توقع فتاة في حبك وحذاؤك متسخ..؟"
ضحكت ضحكة قديمة قديمة ... الآن تذكرتك.
كان قرارًا نهائيًا بعد طول تردد بين إقدام يدعمه حب التجربة وإحجام يقيده الخوف من العقاب، لكن ما فائدة البقاء .. قلت لنفسي، ثلاث حصص دراسية متبقية، الأولى لمادة الرسم التي ما رغبت فيها يومًا إذ إنني لا أجيد هذا الفن، والثانية للغة الإنجليزية ولا خوف عندي من فواتها لأنني ملتحق بالدروس الإضافية عند مُدرسي، أما الحصة الدراسية الثالثة فلا أرغب في أن أصاب بعدوى الاكتئاب التي يعاني منها مدرس التاريخ فضلًا على أنني غير متحمس لسماع قوله المأثور: "ركزوا ي ولاد أنا زهقان حالي بدنا نفك من هالدرس",
على كلٍّ اتخذت القرار ... سأقفز اليوم عن سور المدرسة..!
رافقني في ذلك أحد زملائي في الفصل, كان الهروب من المدرسة صفة مقترنة باسمه، ولا أذكر أنني رأيت في حقيبته المدرسية غير دفتر قديم، بجواره مشط وعلبة كريم شَعر ومرآة صغيرة وفرشاة تلميع أحذية..!
قلت له مرة الحقيبة المدرسية للكتب والدفاتر وليست لأغراض المنزل، فسخر من قولي وضحك ملء فيه وأخذ يحدثني: كيف أن الفتيات تنظر إلى حذائك قبل أن تنظر إلى وجهك..!
كنت أحب الجلوس معه على الرغم من أن الفارق في التحصيل الدراسي بيننا كبير، وعلى الرغم من ثقتي الكبيرة في ذكائه إلا أننا في النهاية ننتمي إلى ما يشبه طبقتين مختلفتين في العصر الإقطاعي المندثر مادمنا داخل الأسوار المدرسية.
مذ حَطت قدماي على الأرض خارج السور شعرت بأنني إنسان حر..! والغريب أن كل ما تلا تلك اللحظة كان يدعم هذا الشعور ويقويه، بل كل شيء فيه كان تجربة جديدة على متفوق هارب من مدرسة تصب العلم في رأسه صبًّا، إلى مدرسة منحته حق تجريب أي شيء ما دمت بعيدًا في هذه الخلوات المتعددة, ففي مدرسة التلقين درست الكثير من الأشياء عن حياة النحل لكن لم أمنح مرة فرصة الاقتراب من صندوقه الخشبي الأبيض، أما صديقي الهارب فقد أذهلني بخبرته العميقة في انتزاع برواز عسل من الخلية دون أن يثير حفيظة النحل أو يلذغ ولو لذغة واحدة،
ومع سقوط حقيبتي المدرسية أرضًا سقط من رأسي التفكير في العقاب الذي ينتظرني إذا ما اكتشف مدير المدرسة حقيقة هروبي، وسقطت أيضًا قناعتي في أن المدرسة تقدم لنا كل شيء نحتاج إلى معرفته في هذا العالم،
وبمجرد اندماجي مع الهاربين الذين تهامسوا فرحًا بوجود متفوق بينهم "لو فيها خير كان ما هرب", وكأن وجودي بينهم منح هروبهم بعض الشرعية والمنطقية، أيقنت أنني في مدرسة أخرى لها نظامها الخاص، لا في خلاء متسع مترامي الأطراف كما تصوره لي عيني، وقد أذهلتني مهاراتهم التي تعلموها من خلال التجربة والاحتكاك بمجتمع الهروب أما نحن فتعلمنا كيف نقلب صفحات الكتاب ونرص الكلمة في الدفتر إلى الكلمات ..!
وفي غمرة انشغالي بهذا العالم الجديد لم أدرك أن مداد الوقت قد انقطع وأن على الجميع المغادرة الآن، فالوقت في المدرسة ممل وثقيل جدًا والساعة كأنها ساعتان وأكثر، لكنه هنا لا رقيب عليه ولا جرس ..!
لتنتهي رحلة عميقة من التجريب والاكتشاف والملاحظة، حرمتنا منها نصوص مكتوبة نتذوق منها ما تذوق المدرس ونستطعم منها ما استطعم هو، لتأخذني بعدها وساوس أفكار مضطربة, فقد علمت أن وشاية من صديق غادر يطمح بأن يصبح بطلًا وصلت مدير المدرسة تحذره بأنني على شفا هاوية الرذيلة والانحراف ..!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع