المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جمال هلال Headshot

ليست النقابة ولا الإقالة.. الموضوع أكبر!

تم النشر: تم التحديث:

لا يمكن أن تكون حرية الصحافة وحق التعبير مهما بلغت وصف الكلمات مختزلة في مبنى نقابة أو سُلم للاحتجاج أو شارع أو ميدان، كل هذه المقدرات لا تعدو إلا أن تكون رمزية أمام الإنسان صاحب الرأي والكلمة.

أُكلت الصحافة المصرية يوم انتكست حرية الرأي والتعبير بعد بيان عبدالفتاح السيسي صاحب البدلة العسكرية وقتها، وهو يقرأ بيان الانقلاب العسكري ويشدد فيه على ميثاق عمل صحفي وإعلامي يكفل حرية التعبير، بينما كانت قواته تداهم مقرات 14 قناة فضائية لتغلقها على الهواء وتعتقل صحفييها وسط صمت من النقابة إن لم يكن تصفيقاً من بعض أعضائها.

مضت أعوام ثلاثة إلا قليلاً على هذا البيان المشؤوم، لكن شيئاً من بنوده لم يتحقق لاسيما ما يخص ميثاق الشرف الإعلامي الذي تحدث عنه عبدالفتاح السيسي وهو ببدلته العسكرية. كل شيء تحول الى نقيضه حتى البدلة العسكرية تغيرت الى بدلة مدنية. وتحول الإعلام الى جهاز للشؤون المعنوية..


حصيلة هذا البيان الذي أكد على ميثاق شرف إعلامي هو 11 قتيلاً من الصحفيين كانوا يؤدون مهام عملهم، وفق المرصد العربي لحرية الإعلام، إضافة الى ما يزيد على 240 صحفياً تم اعتقالهم، لا يزال منهم 89 صحفياً رهن الاعتقال حتى الآن، كما أن هناك 25 مؤسسة لا تزال مغلقة دون إذن قضائي.

كما يزيد عدد المصابين الى نحو 30 مصاباً من الصحفيين، مع مصادرة الصحف ومنع المصورين وإيقاف عدد كبير من البرامج.

ويمكن حصر عمليات الانتهاكات - وفقاً للمرصد العربي لحرية الإعلام - في نحو 2000 حالة انتهاك ومنع وحظر وتهديد وضرب وتعدٍّ على الصحفيين.


يكفي أن يعرف الجميع أن السلطات المصرية قبضت في يوم واحد على 47 صحفياً ومصوراً يوم 25 من أبريل/نيسان المنقضي أثناء قيامهم بعملهم في تغطية مظاهرات دعت لها مجموعات سياسية معارضة لاتفاقية ترسيم حدود مصرية سعودية، ومنعت أطقم بعض القنوات من التغطية أيضاً، في حين سحبت الكاميرات أو الصور من آخرين، وسمحت لبعض المرتبطين بجهاز الشرطة بمحاولة اقتحام نقابة الصحفيين أكثر من مرة.

وقبل يومين من اليوم العالمي للصحافة اقتحمت قوات الأمن المصرية نقابة الصحفيين، وقبضت على اثنين من أعضائها، وهذا يحدث للمرة الأولى في تاريخ النقابة الممتد عبر 75 عاماً، وجاء هذا العدوان تتويجاً لسلسلة من الاعتداءات على الصحفيين.

تعاني حرية الصحافة في مصر بشكل عام من فرض المزيد من القيود عليها وتحويلها إلى صحافة الصوت الواحد، بعد إغلاق 33 وسيلة إعلامية منذ 3 يوليو/تموز 2013، لايزال 25 منها مغلقاً حتى اليوم كما أسلفنا، وتتواصل عمليات حبس الصحفيين، حيث يقبع في السجون حالياً 89 صحفياً، وهو ما يجعل مصر في تقديرنا في المركز الأول عالمياً في حبس الصحفيين وليس في المركز الثاني كما أعلنت بعض المنظمات الدولية الرائدة، وهذا ما يستوجب تضامناً دولياً كبيراً مع هؤلاء الصحفيين السجناء الذين يعانون ظروفاً بالغة القسوة في محابسهم.

إننا كصحفيين تعرضنا للانتهاك منذ اليوم الأول لهذا الانقلاب المشؤوم نفتح أيدينا لزملائنا الصحفيين الذين تجاهلوا - وفق الاستقطاب المشتعل وقتها - ما تعرضنا له من انتهاكات في مدينة الإنتاج الإعلامي وفي مقرات الصحافة التي صُودرت وفي ميادين الثورة التي أُشعلت فيها النيران وقُتل فيها الصحفيون.


إن عمليات المزايدة والاستقطاب لن تزيد المشهد إلا اشتعالاً، ولا يمكن لحرية الرأي أن تكون مصونة وسط ممارسات الضغط والتهديد والابتزاز المتعمد، وإلا كيف يمكن أن نسمي عملية التراجع السخيفة من مجلس النقابة لمطالب الصحفيين بعد اقتحام نقابتهم بغير تلك المسميات.

إن انتهاك داخلية السيسي بحق الصحفيين لا يعبر عنه صورة لوزير مجرم بالنيجاتيف ولا مطلب بإقالته، وإنما مطلب بمحاكمته كمجرم حرب قتل هو وسابقه محمد إبراهيم 11 صحفياً على الأراضي المصرية، من بينهم أجانب، وتعدى على الإنسان الصحفي وعلى الصحافة برمتها مصادراً ومضيّقاً وقامعاً ومانعاً قبل أن يتعدى على مبنى من الخرسانة والحجارة أخذ احترامه من احترام منتسبيه. ولو أن الكعبة عند الله بعظمتها لا تساوي دم امرئ مسلم، كما في الحديث الصحيح، فإن النقابة وما حولها لا تساوي قطرة دم سُفكت من صحفي كانت كل جريمته أنه حمل كاميرا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.