المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سليمان Headshot

قصة الحياة في مطار العابرين

تم النشر: تم التحديث:

ضجة وأصوات في كل مكان. طفل فرح يحمل بيده الصغيرة بوظة قد بَصمتْ على ملابسه، وكهل طاعن في السن ارتسمت على وجهه المتجعد معالم سفراته ورحلاته. امرأة تجر زوجها من متجر لآخر.

وصوت مألوف لوجه مجهول يسابق الزمن يتكرر طوال الوقت ينادي ويقول: "آخر نداء لرحلة إسطنبول.." وهكذا دواليك، بالضبط كمن يصيح على الأموات، فيكون آخر نداء وآخر ذكر لتلك الرحلة التي لن تعود ولن تتكرر.. .
مهاجر يسمع صوت النداء يشعر كأنه النداء الأخير للحياة، يرى الفرج بموعد إقلاع الطائرة، منذ أعوام وهو يعمل ويتجهز لهذا اليوم. ومغترب عائد لوطنه للمشاركة بتشييع جثمان قريب له. ولاجئ فلسطيني يسند زوجته المثقلة بحملها، أكبر أمانيه أن تلد زوجته ببلد يمنح ابنهما اللاجئ جواز سفر يمكّنه من العيش بكرامة على غرار الذل الذي تورثه تلك الوثيقة البائسة.

رجال أمن ينظرون للجميع بنظرات ثاقبة مشككة. ومسكين يبكي بسبب ضياع جواز سفره، وآخر تأخر عن موعد رحلته وتُرك وحيدًا في أرض المطار، يظن أن الحياة توقفت ولا يعرف ما الذي يجب أن يفعله. وشاب متوتر يدخل المطار لأول مرة في حياته، يتوه ثم يسأل وبعدها يهتدي إلى طريق الطائرة وبعد عدة سفرات يستنتج بأن فعله لم يكن مميزًا يومها، لأن كل من قبله عاشوا رهبة المرة الأولى وضاعوا وسألوا ثم اهتدوا مثله تمامًا.

رجل أعمال ملَّ السفر يجلس بمكانه المعهود، واثق بنفسه فقد اعتاد على المكان، يحتسي كوبًا من القهوة التركية المفضلة لديه. صوت طائرة تقلع وأخرى تهبط. وازدحام عند المطاعم، فهناك قانون يسري على كل المسافرين "وجوب الأكل قبل موعد الطائرة مهما كانت مدة السفر قصيرة"، لأن ركوب الطائرة بذاته عملية كبيرة والسفر على قصره طويل، وذلك يعني بوعيٍ أو بغير وعي أن الوقت سيطول قبل الأكل مرة أخرى.. إلا إذا اقتنيت بطاقة درجة "البزنس" على طائرة الخطوط الجوية التركية أو الملكية الأردنية، أو طيران الإمارات أو طيران قطر.

hauka

زاوية المدخنين كالسجن إلا أن إيداعك إياه وخروجك منه بأمرٍ منك، منفية، لا هي داخل المطار ولا خارجه، يفصلها عن الداخل زجاج أسوَد سميك، ويفصلها عن مهبط الطائرات سياج مُحكم الإغلاق لا يسمح بعبور شيء سوى الدخان المنبعث من أفواه العابرين. زاوية فيها عيون الناس تحكي قصة الحياة، أفكار مبعثرة وأحلام تنضج على نار هادئة، ولاجئ يائس تجمّدت آماله، تسمع لغات تحسبها مجرد طلاميس ولهجات من لغتك بالكاد تفهمها. قصصٌ لا تنتهي منثورة في تلك الأمتار القليلة، يمكنك تخمين حالات البشر من طريقة تجرعهم للسيجارة.. فمن يجرعها بسرعة وينفث ريحها أسرع هو مضطرب لا محالة، ومن يجرعها بهدوء وراحة ويتبسم أثناء ذلك هو سائح غير مقيم.

أما صاحبي فيطيل التدخين، بين جرعة سيجارة ولحظة تأمّل في مآلات الأمور.. لكن لسوء حظه لم تطُل تلك اللحظات وانقطعت لمّا تفقّد جواز سفره "الإسرائيلي" وراح يبحث عنه كالمجنون في أرجاء المطار، ووجده أخيرًا عند بائع القهوة الذي أبدى استغرابه من جواز سفر -غير مرغوب به- وهنا كانت قصة أخرى، تحتاج التفصيل والعودة إلى تاريخ قد مضى، لكن اللغة آثرت حرماننا من التعبير وتبيان الأمر.

عدت أنا وبقيت أعمل على دراستي، وكان صاحبي قد أخذ القرار بالعودة بعد العودة.. وما هي إلا أشهر قليلة، حتى عاد بصفة مقيم يطمح لبلوغ المرام.

هكذا الحياة وأحداثها، سريعة مستمرة، الوقت لا يرحم والناس كُثر، لستَ الأكثر تميزًا، وحياتك لا تختلف عن حياة البشر وإن ظننتها بالفراغ متفردة...
ساعات قليلة في المطار تحكي لك قصة الإنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.