المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سليمان Headshot

العَلمانيون العرب وإشكاليتهم مع الإسلام

تم النشر: تم التحديث:

نشأت العَلمانية في مناخ مناهض لدين الكنيسة، والصورة الذهنية التي تصدّرت وآنتشرت أن الصراع بين أتباع الدين بكافة أشكالهِ وأنواعهِ مع إختلاف مضامينه من جهة "واللادينيين" من جهة أخرى وهذا التلبيس كان بداية مشاكل للتجارب العَلمانية غير الغربية أو بالأصح تلك التجارب التي افتقدت مكونات الصراع الحاصل في اوروبا، فالديانات الأخرى مختلفة عن دين الكنيسة وعلاقة الناس مع الدين بمجتمعات أخرى مُغايرة لعلاقة الاوروبيين مع الكنيسة آنذاك، ومحاكاة التجربة الاوروبية بنفس المقاييس أجهضت عدة تجارب عَلمانية. العَلمانية بمعناها الحرفي تعني اللادينية (secularism) وهذا تعبير دقيق في وصف الحالة التي سادت اوروبا زمن الصراع، إلا أن السياق التاريخي للأحداث لم يُتح نقاشًا علميًا فلسفيًا شاملًا ومحددًا حول الخلافات بين العَلمانيين ومختلف الديانات، فآنطبعت الصورة الآنفة عن كل الأديان، مع تحديد مبادئ عامة تُشكّل موقف العَلمانية من الديانات أجمع، وتختصر بفصل الدين عن كل مناحِ الحياة المجتمعية.

استنساخ التجربة الغربية في مجتمعات أخرى يختلف فيها الدين عن الدين الكنسي سبَّبَ مشكلات عظيمة للعَلمانيين في مجتمعاتهم ولا أدري إن كانوا لم يدركوا جوهر الإختلاف ومزايا مجتمعاتهم، ومن هذه التجارب تجربة العَلمانيين العرب وإشكاليتهم مع الدين الإسلامي الذي يختلف كل الإختلاف عن الدين الكنسي، لذلك فإن الواقع العربي والإسلامي فرض على العَلمانيين تغيير نهجهم وسلكوهم، وآرتسم صراع من نوع آخر لم يأخذ حدة الصراع الذي نشبَ في اوروبا بسبب إختلاف عوامل كثيرة. رغم مرور نحو قرن على التجربة العَلمانية العربية إلا أنها لم تُحقق مُرادها في المجتمعات العربية، يمكن القول بأنها تجربة خجولة لم تجنِ ثمارها، ولعلَّ أصحاب التجربة لم يدرسوا الواقع قبل خوض غمار الميدان، ولعلَّ من عوائق تحقيق مبتغاهم أن تجربتهم لا تصلُح في مجتمع عربي مُسلم يلتزم ويحافظ على أهم ركائز الإيمان بالدين الإسلامي، ويعززه تاريخ طويل لدولة دامت أكثر من ألف عام، بالإضافة إلى أن سقوط المؤسسة الدينية الحاكمة المتمثلة بالخلافة لم يكن بعد ثورة على الدين الإسلامي إنما بسبب ضعف الحُكم والنزاعات الداخلية والضغوطات الخارجية، كذلك فإن من خَلَفَ دولة الخلافة كانت أنظمة إحتلالية غربية مستبدة لم تقنع العرب بالإحتكام لغير الخلافة، كأن تمنح للشعب العربي تجريب حكم مختلف يوفر الحرية والحياة الكريمة ينسيهم دولتهم السابقة بل ويبهرهم بحكم جديد، مما كان سيساهم حتمًا بتغيير نظرة العرب بشكل عام للدولة الإسلامية. طبيعة الدين الإسلامي تختلف عن ديانات وشرائع أخرى كونها متداخلة في كل صغيرة وكبيرة بما يخص الفرد والمجتمع والدولة والجيش، فهي شريعة تهتم بالسلوك والأخلاق والعلم، وتهتم بالإقتصاد والسياسة والحُكم. وأيضًا لا يمكننا أن نغفل بأن كُثر ممن تبنوا العَلمانية لم يحملوا الفكرة بمعناها اللاديني، بل بقوا على علاقة بالدين، واكتفوا بمحاولة عزل الدين عن كل شيء وإختصاره بشعائر تعبدية تقوم على علاقة بين العبد وربه لا غير.

عند ظهور العَلمانية في العالم العربي بدا واضحًا إشكاليتها مع الدين الإسلامي، وتناغمها وإمكانية تكاملها كفكر منسجم مع التيار القومي العربي في كثير من التجارب، ولكن لم تكن عملية الجمع بينهما تجربة فريدة من نوعها بل هي تجربة مطابقة إلى حد كبير فكرة الدولة الوطنية (Nation State)، والإختلاف أن الغرب نفى الدين وصار العرق القومي القيمة الأولى والأساس التي تجمع أبناء الدولة الواحدة بعد الثورة على الموروث الديني، وفي العالم العربي بقي الدين الإسلامي عاملًا مهمًا وأساسيًا في تشكيل هوية الأفراد والمجتمعات داخل الدول العربية، لذا كان من الصعب تشكيل هوية منزوعة الإنتماء الديني وذلك مخالف لصلب فكر العَلمانية، مما دفع العَلمانيين إلى الرضوخ للواقع القائم بتقبل الدين الإسلامي والتعايش معه، مع محاولة النيل من الثوابت الإسلامية والتقليل من أهميتها بين الناس بإستعمال إستراتيجيات متعددة وطرق مختلفة، أبرزها تحويل الهجوم على الإسلاميين والحركات الإسلامية، وذلك بدعوى خلافهم ومشكلتهم مع الإسلام السياسي وليس مع الدين ككل، بدلًا من أن يهاجموا الدين صراحة وعلانية مباشرة.

أحيانًا نجحوا وسجلوا نقاطًا، وفي مواضع أخرى سقطوا أيما سقوط، ففي الحياة المادية المعيشية استطاعوا تسجيل بعض الإنجازات على حساب ثوابت إسلامية وذلك من خلال المعاهد التعليمية والفن والأدب والسينما العربية التي تجاوزت كل الأعراف المجتمعية لتخلق عرفًا عربيًا جديدًا، وموضوع المرأة وتحريرها وإحلال وشرعنة قانونية لظواهر منبوذة كالزنا والخمر والربا - لا أنفي وجود هذه الظواهر من قبل حتى في ظل الدولة الإسلامية، إلا أنها لم تكن ظواهر مشرعنة قانونًا ومقبولة عُرفًا. وأما في عالم الأفكار والمعتقدات المطلقة فإنهم غالبًا ما خسروا ويخسرون أمام المجتمع بأسره.

الجدلية القائمة حول العلمانيين ونجاعة مشروعهم في العالم العربي في ظل تعلق العرب بالموروث والمعتقد الإسلامي كانت وستبقى إلى أمد بعيد، فالأفكار لا تموت والمشاريع متجددة وسنّة التدافع مستمرة إلى قيام الساعة، ولا يمكن لأحد البت المُطلق في فشل أي فكر ومشروع، إلا أنها محاولة لتحليل المشهد من وجهة نظر شخصية، وإن كنت أرى بأن هذه التجربة مشوشة وضبابية وغير واضحة المعالم وخطابها علماني مستنسخ غير آبه بتغيّرات المشهد وطبيعة المجتمعات العربية.