المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رضا شهود  Headshot

يا بن الـ.. الأقاليم "صديقي والأستاذ"

تم النشر: تم التحديث:

جلس صديقي الشاب على المقعد المقابل لي في مقهى بسيط يليق بأمثالنا من المغتربين، يحكي لي عن ثماني سنوات قضاها في مهنة الصحافة، استفاض في الحديث عن كم المصاعب التي واجهته في بلاط صاحبة الجلالة، كان يحدثني وفي عينيه بريق الأحلام التي دهستها أقدام زبانية صاحبة الجلالة ومتسلقي البلاط، تشاركنا الحديث لساعتين، كان ينبوع الحديث هو تقارب التجربة فهو مثلي تمامًا قادم من إحدى محافظات مصر القصية إلى القاهرة بحثًا عن تحقيق حلم الصغر.

يختتم يوسف صديقي عقده الثالث خلال أيام وحتى الآن - كما قال لي- لم يصل بعد إلى حلمه الذي طالما راوده في يقظته ومنامه، كان يحاول أن يرسم لي مشهدًا زعم أني سأقابل مثله تمامًا، فحكى لي مثلًا عن موقف غير رحلته تمامًا، حكى لي عن رئيس تحرير قال له ذات يوم في اجتماع خاص: "أنا عايزك تكون طباخ كويس بس ما تحطش البهارات، البهارات دي بتاعتي" وقعت كلمات رئيس التحرير هذه على يوسف وقعًا شديدًا لم يستطع الفرار منها ولم يكن أمامه مسار آخر غير القَبول فقرر أن يتحول من يوسف الصحفي إلى يوسف الطباخ ولم يكن ذواقًا للأسف.

يوسف ليس وحيدًا في مشقته ومعاناته مع المهنة في مصر فهناك ألف ألف يوسف في الصحافة جاؤوا من أقاصي الأرض واختاروا الغربة عن أهليهم والجلوس في شقق سكنية مكدسة مع من يختلفون معهم ثقافة وطباعًا وسلوكًا، ورغم ذلك لا ينالون سوى العمل بالسخرة وبأجور زهيدة.

أثناء الحديث كان يدور في مخيلتي مشهد مغاير تمامًا لما يحكيه يوسف، مشهد ذاك الفتى الذي اختار أن يشق طريقه عبر كلية الإعلام جامعة القاهرة ومنها انطلق إلى مدارس إعلامية مختلفة، فتذوق من مدارس هولندا وإسكتلندا وبريطانيا ومدارس عربية أخرى، ذاك الفتى أو الأستاذ هو "يسري فودة" -ابن محافظتي- والذي طالما كانت أعماله ومقدمات أفلامه الوثائقية هي خير حديث بيني وبين مرآتي الأثيرة.

قرأت "في طريق الأذي" والذي كتبه فوده في مطلع العام 2015 ثلاث مرات وفي كل مرة كنت أقرأه قراءة متأنية في محاولة مني لمعايشة رحلة الكاتب في طرق الأذى المتعددة وكيف عبر من طريق إلى طريق، كنت أحاول الاستمتاع بطريق الأذى كما كان يحاول الكاتب، كانت رحلات فودة كلها في عمق الأذى أو تدور حوله، خرجت من الكتاب بقاعدة رئيسة "استمتع حتى تُمتع"، تذوق الكلمات قبل أن تكتبها، تذوق الصورة قبل أن تضعها، ضميرك المهني والأخلاقي هو رقيبك قبل أن تكون قوانين الحكومات أو العالم.

رحلة يوسف ورحلة فودة هما رحلتين لاثنين من أبناء الأقاليم والتي يبدو أن الحكومة المصرية مؤخرًا قررت أن تحرم قرائنهم هناك من أن يذوقوا حلاوة أذى فودة أو حتى مرارة يوسف، وحرمتهم أيضًا من دخول صرح تعليمي لطالما كان محطة أولى لانطلاق رواد الصحافة في مصر والوطن العربي.

بلونة الاختبار التي خرجت علينا في الإعلام المرئي والسوشيال ميديا والتي تحدثت عن نية الحكومة بحظر كليتي الإعلام وسياسة واقتصاد بجامعة القاهرة على أبناء الأقاليم جسدت -إن صدقت بلونة الاختبار هذه- أن أصحاب القرار لا يجهد أحد منهم نفسه في إلقاء نظرة على الساحة الإعلامية والسياسية ليقيس مقدار الإعلاميين ورؤساء التحرير ومديري القنوات والباحثين السياسيين من أبناء الأقاليم من خريجي كلية الإعلام جامعة القاهرة وكلية سياسة واقتصاد، فعلى سبيل المثال لا الحصر عماد الدين حسين ابن محافظة أسيوط ورئيس تحرير صحيفة من أكبر الصحف المصرية وهي الشروق، وأيضا خالد صلاح ابن محافظة الدقهلية ورئيس تحرير اليوم السابع، وإبراهيم عيسى وأحمد المسلماني وعمرو أديب كلهم من أبناء الأقاليم ومن خريجي كلية الإعلام.

لا أريد الدخول في نية من يحاول أن يتخذ قرارًا كهذا لكن كل ما هو واضح الآن أن أبناء الأقاليم وخاصة من الوجه البحري هناك من يريد أن يدفع بهم إلى سبيل واحد وهو اللجوء إلى أقسام الإعلام بكليات الآداب في محافظاتهم.

لا أعلم هل يدري من يريد الدفع بأولئك الطلاب، حال هذه الأقسام أم لا، هل يعلم مثلا أن طلبة هذه الأقسام يدرسون مواد من أيام الملك منقرع ولم يتم تجديدها أو حتى تطوير أسلوب الدراسة؟ هل تعلم الحكومة أن هذه الأقسام تعاني من نقص شديد في عدد الأساتذة والمدرسين؟ هل تعلم الحكومة مثلًا أن هذه الأقسام لا تمتلك أستديوهات أو محاكاة لصالة التحرير أو فرص تدريبية كالتي ينالها إخوانهم من أبناء إعلام القاهرة، لك أن تتخيل عزيزي القارئ أني وفي أربع سنوات قضيتهم داخل قسم الإعلام لم أقم إلا بزيارة ميدانية وحيدة كانت لإحدى القنوات الإقليمية شاهدنا فيها القناة من الداخل سريعًا ثم بعدها أخذنا جولة إلى أحد شواطئ الإسماعيلية وبعدها عدنا أدراجنا كما كنا لا نحمل سوى نكات وفقرات خفيفة ما زالت رفيقة الذاكرة حتى الآن.

ليس من العدل أن تحبس الأحلام، أن تقص جناح حماس شباب وفتيات ما زالوا في عمر الزهور كل واحد منهم يمني نفسه بالخروج من إقليمه باحثًا عن بعض امتيازات أبناء المدن الكبرى وأن يقدم نفسه إلى الدولة لعلها تستفيد يوما ما من كفاءته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.