المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد سعد خسكية Headshot

لماذا ندفع ١٦ مليون إسترليني لإنقاذ «سخم كا»

تم النشر: تم التحديث:

توقّع وزير الآثار، ممدوح الدماطي، أن يهب المصريون عن بكرة أبيهم لجمع 16 مليون جنيه إسترليني لإنقاذ تمثال "سخم كا" الموجود في بريطانيا، بمجرد أن ينطق بأن أميرة قطرية عرضت المبلغ لشرائه من متحف ببريطانيا، وستطير به إلى الدوحة، لكن تلك الهبّة لن تحدث، ربما لأنه لا توجد فوائد بنكية من جمع المبلغ كما حدث بشهادات قناة السويس الجديدة، أو عدم اهتمام المتلقين بأمر الآثار من أساسه.

وفي حديث مع صديق مختص حول الأمر، أخبرني بما هو أشد من جمع المبلغ، وهو أن دفع الـ16 مليون إسترليني لن يعيد التمثال إلى مصر وإنما سيبقيه في بريطانيا، وأن المتحف أعلن أن لديه عددًا من التماثيل المصرية سيعرضها تباعًا للبيع، لاستغلال أموالها في ترميم المتحف، ما جعلني أرد: "وإحنا مالنا بجمع الفلوس.. اللي مسؤول عن خروجه من مصر يدفعله".

ظل الوزير الحالي متكاسلًا وناسيًا أمر الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، حتى وجد ضالته في شراء أميرة قطرية للتمثال، بينما كان سيواصل كسله ونسيانه إذا اشترت التمثال أميرة سعودية أو إماراتية أو حتى من أوروبا أو أمريكا، ما يستوجب إقالته فورًا بسبب تجاهله أداء مهام منصبه بكفاءة.

وقد وضعت أزمة تمثال "سخم كا" أيدينا على جرح غائر في جسد الحضارة المصرية، التي تعد الأقدم في العالم؛ من خلال عدم وجود حصر شامل ودقيق لما تم اكتشافه حتى الآن، من تماثيل ومسلات وتوابيت، ولوحات وآنية، ناهيك عن الأسرار التي تختبئ وراء كل ذلك، دون باحثٍ أو ساعٍ وراء اكتشافها، إضافة لترك أمر التنقيب عن الآثار للبعثات الأجنبية الموجودة في مصر، وعدم إنشاء مؤسسة مستقلة تختص بذلك، حتى تحافظ على ثروات البلاد من النهب، وتخرج لأحفاد الفراعنة كنوز أجدادهم المدفونة.

ألا يعلم وزير الآثار أن مصر كانت تضم ما لا يقل عن 100 مسلة فرعونية، لم يتبق منها سوى 5 فقط، وأن الباقي يزين أشهر ميادين العالم، في لندن وباريس ونيويورك وروما وإسطنبول، لم يطالب أي من سابقيه بإعادة أي منها، ناهيك بالتماثيل التي تخرج دون أن نعلم عنها أي شيء؟!

ألا يعلم وزير الآثار أن رأس الملكة الجميلة نفرتيتي خرج من مصر عقب العثور عليه عام 1912 إلى ألمانيا، وأصبح رمزًا ثقافيًّا لعاصمتها برلين، وأن مصر لم تستطع رده حتى الآن؟!

ألا يعلم وزير الآثار أن عددًا كبيرًا من المصريين لا يعرفون شيئًا عن آثار بلدهم، ولا تنظم رحلات دورية للطلاب للتعرف عليها، وأن ما يُدرّس عنها في المناهج التعليمية مجرد قشور أو أجزاء للقراءة فقط؟!

ألم يكتشف وزير الآثار أثناء تجوله في الشارع أو ركوبه سيارة الوزارة، أن المواطنين لا يشعرون بمجهوداته للنهوض بقطاع الآثار في مصر، رغم مرور عام وشهرين على توليه منصبه، وأنه فشل في أداء رسالته المكلف بها؟!

إن استطاع وزير الآثار الإجابة على الأسئلة السابقة فهي فضيحة، وإن لم يستطيع فالكارثة أكبر، لكن الحقيقة الأوضح، هي أن ممدوح الدماطي حاول أن يداري فشل الوزارات المتعاقبة المعروفة باسم "الآثار" في مصر، وصمتها على خروج التماثيل سواء بسرقتها من أماكن اكتشافها أو في شكل الهدايا، وعدم أدائها لمهامها كما يجب، مستغلًا علاقة مصر المتوترة بقطر منذ ثورة 30 يونيو، لكن نتيجة دعوته ظهرت سريعًا، بأن أتت الرياح بما لا تشتهيه سفنه ورفاقه، وتجاهل المصريون دعوته، ولم نسمع عن جنيه مصري واحد ـ لا إسترليني ـ تم دفعه لإنقاذ التمثال أو غيره، ما يعيد الأزمة للمربع صفر، وكأن الجميع يرد عليه: "إحنا مالنا.. ده شغلك.. وخلي بالك من باقي الآثار".