المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فهد القحطاني Headshot

الحرية والمسؤولية

تم النشر: تم التحديث:

الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة اسمها حق التعبير، فأنت حر ما لم تضر، لأن الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش لوحده، لهذا هو يحتاج لوسط يمارس فيه حريته واستقلاله الذاتي، ويخضع بذلك للقيود الضرورية التي تضع الفواصل بين حدود استقلاله الذاتي أو حريته وبين ما يتمتع به الآخرون من قيم مقابله، لهذا فإن الحرية تصبح نسبية مثلها مثل كل القيم الأخرى وليست مطلقة، فهي تضيق وتتسع بقرب النظام السياسي من الديمقراطية وبعده عنها، وكلما كثرت القيود المفروضة على حق التعبير قلت مرتبة الدولة في سلم درجات الديمقراطية، وكلما قلت تلك القيود زادت تلك الدرجة، فالتناسب عكسي بين قلة هذا وكثرة ذاك، ولقد عرف الحرية الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت ميل بكونها «قدرة الإنسان على السعي وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطة أن لا تكون مفضية إلى إضرار بالآخرين»، والمصلحة قد تكون مادية أو معنوية.
وفي إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789 في السنوات الأولى للثورة الفرنسية تعرف الحرية بأنها «حق الفرد أن يفعل كل ما لا يضر بالآخرين، وأن الحدود المفروضة على هذه الحرية، لا يجوز فرضها إلا بقانون» بمعنى أن التشريع الذي تُفرض تلك القيود من خلاله يجب أن يكون قانوناً بالمعنى الضيق لمصطلح قانون، وهو الأداة التشريعية التي تسن وتصدر من قبل البرلمان، لأن البرلمان هو ممثل الشعب ككل، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في ديسمبر سنة 1966، وهو الوثيقة الدولية الأعلى مرتبة في مجال حق التعبير، وللأسف إن دولة قطر التي أطلقت أقوى وأشهر قناة فضائية على مستوى إقليمي، وتصل في الجدارة والأهمية لمزاحمة القنوات الأخرى على قمة التصنيف الدولي لم توقع أو تصادق أو تنضم لتلك الوثيقة حتى الآن، أقول إن هذه الاتفاقية الدولية تنص في المادة «19» على ما يلي «2- لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب أو بأية وسيلة أخرى يختارها. 3-تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة «2» من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون، وأن تكون ضرورية: أ- لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم. ب- لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة». ونلاحظ هنا أن هذا العهد الدولي ذكر الحرية وربطها بالمسؤولية، وذكر من القيود ما هو ضروري، ووضع شرط أن تصدر تلك القيود بقانون.
والإسلام نفسه بعد أن حث على حرية التعبير واعتبرها من أفضل الجهاد، كما جاء في الحديث الشريف «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، وفي الحديث الآخر الذي رفع من قدر شهيد الكلمة عندما ذكر أن «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»، وهذا أكبر دليل على قيمة التعبير فشهيدها من أفضل الشهداء، وهو على قدم المساواة مع أسد الله ورسوله حمزة بن عبد المطلب، عم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لأن وسائل التعبير مثل الكتابة والخطابة وغيرها من أقوى الأدوات لتغيير الواقع المستهجن.
ومع ذلك لم تغفل الشريعة الإسلامية عن وضع الضوابط لتلك الحرية، فمن القيود النهي عن المجادلة التي تسبب العداوة والبغضاء، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحافظة على أعراض الناس وحياتهم الخاصة، والبعد عن الجدل العقيم، ومنع ما يضر بالناس في دينهم وشرعهم.
وكما قلنا إن الحرية تعني منح كل شخص استقلالا ذاتيا وسيادة على نفسه فقط، لذلك فإن الحرية لا تعني انتهاك سيادة الآخرين والتعدي على حدود استقلالهم الذاتي، فأنت حر في تقرير مصيرك واختيار طريقك، ولكنك لست حرا في تقرير مصير الآخرين واستلام زمام المبادرة منهم، لهذا فإن الالتزام بالقوانين والتشريعات لا يتناقض مع الحرية، لأن عدم الالتزام بذلك يسمى فوضى ولا يمت للحرية بصلة، ولأن الحرية الملتزمة بما سبق منطقة وسط بين متناقضين، الفوضى والاستبداد..
وهذه الضوابط تهدف إلى وضع الفواصل، وإقامة الحدود بين الحرية كقيمة إنسانية مهمة وبين التعسف والتطرف في استخدامها، ولما كانت حرية الصحافة تعتبر أبرز وأهم صور وأنواع حرية التعبير، والوسيلة الأوسع نطاقا لنقل الرأي للجمهور، فقد حرصت الدساتير على حماية حرية الصحافة بمواد خاصة بها، ومنها طبعا الدستور القطري في المادة «48»، حيث تنص على أن «حرية الصحافة مكفولة وفقا للقانون».
والقانون هو الكفيل بإعطاء كل ذي حق حقه في مجال الحريات، ومنها حرية التعبير والصحافة، ووضع الضوابط وتقرير المسؤولية القانونية، سواء منها المسؤولية الجنائية أو المسؤولية المدنية، وأبرز تشريع في هذا المجال يحدد تلك الضوابط، ويذكر تلك الحريات هو قانون المطبوعات والنشر، ومشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية المتوقع صدوره عما قريب.
وفي الأخير نعم أنت حر ما لم تضر، ولكن أنصار المسؤولية يغفلون عن كون الحرية هي الأصل، والقيود على تلك الحرية هي الاستثناء، والاستثناء لا يتوسع فيه ولا يقاس عليه، بعكس السياسات التشريعية العربية التي تستخدم عبارة «أنت حر ما لم تضر» ككلمة حق يراد بها باطل، لأنها ترى أن الحرية هي الاستثناء، وما يحظر نشره هو الأصل، لهذا هي تتوسع فيه وتقيس عليه، لدرجة أن ما يجوز نشره يحتاج لخارطة طريق للوصول إليه.
وزبدة الكلام أن الحرية والمسؤولية تنشآن الإنسان الحر، فالإنسان بدون حرية يفقد كرامته ويصبح عبدا مسيرا للطغاة لا يملك من مصيره إلا السراب، مجبرا من قبلهم على الفعل ونقيضه، يفتقر للإرادة وتزول عنه حرية الاختيار، وهو بدون مسؤولية يفقد إنسانيته ويصبح عبدا للشهوات تفرض عليه إرادتها فهو بهيمة في يدها يدور معها حيثما دارت، ولو خيل إليه أنه يمتلك ناصية الحرية المطلقة، لأن الحرية نسبية تقف عند حدود حرية الآخرين، فأنت حر ما لم تضر، كما قلنا استناداً للفهم الصحيح للعبارة، وليس كما يريد أن يفهمها وعاظ السلاطين وترزية القوانين، وأساس المسؤولية في هذا الزمن هو القانون بشرط أن يصدر من السلطة التشريعية، لكونها تمثل الشعب، وهذه ضمانة مهمة حتى لا تصبح المسؤولية والقيود التي تفرض على ممارسة الحرية وسيلة لتفريغ الحريات من مضمونها، وذلك قد يحدث إذا أصبح سَنّ القوانين بيد السلطة التنفيذية، فهي تضع من القيود ما يخدم مصلحتها ويصرف عنها سهام حرية التعبير، خصوصا وهي لا تمثل إلا نفسها، أما المجالس التشريعية المنتخبة فالمفترض فيها أنها تمثل الشعب بكل فئاته وتياراته وطوائفه أو على الأقل الغالبية منه، لهذا نعم للحرية المسؤولة بشرط أن يقوم بوضع تلك الضوابط لتلك الحرية الشعب نفسه، ممثلا بالبرلمان، ولتبتعد السلطة التنفيذية عن لعب دور المعصوم والولي المدعي أنه أعلم بشؤون دنيا الشعب منهم.
وحتى نصل للحرية المنضبطة بضوابط يقرها الشعب، من خلال من يمثله تمثيلا حقيقيا، وهو البرلمان المنتخب بالكامل، نستطيع القول إن القلم الحر في الصحافة العربية شبيه بالمقاتل في المعركة، من الواجب عليه عدم التخاذل عن بلوغ هدفه مهما اجتهدت السلطة في زرع الألغام في طريقه..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.