المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فهد القحطاني Headshot

"دساتير" كالخشب المسندة

تم النشر: تم التحديث:

كل الدساتير العربية تحرص على ذكر المبادئ الأساسية التي تقوم على عاتقها الأنظمة الديمقراطية، من قبيل مبدأ سيادة الشعب والفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومن مثل سيادة القانون، والشعب مصدر السلطات، وغيرها الكثير كالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة، وكفالة الدولة لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

فمثلًا: ينص الدستور السوري، في البند الثاني من المادة الثانية منه، على أن: السيادة للشعب، وفي البند الثاني من المادة 25 ينص على أن: سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة، ويقر في المادة 38 منه حق كل مواطن في الإعراب عن رأيه بحرية وعلانية وبكافة وسائل التعبير، وفي المادة 39 يقر بحقه في التظاهر السلمي.

وفي الدستور اليمني، وعلى وجه الخصوص في المادة 4 منه، اعتراف بكون الشعب مالك السلطة ومصدرها ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء، كما يزاولها بطريقة غير مباشرة عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وفي المادة 5 يصرح بكون النظام السياسي في اليمن يقوم على التعددية السياسية بهدف تداول السلطة سلميًا. وفي المادة 106 يضع الشروط المطلوبة لمن "ينتوي!" الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، ومتى ما توافرت تلك الشروط في شخص معين حق له خوض غمار الانتخابات الرئاسية، وهي شروط معقولة.

أما في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى فحدث ولا حرج، من مثل ادعاء الدستور الليبي أن السلطة للشعب ولا سلطة لسواه، وكونه هو السيد الذي بيده السلطة وبيده الثروة وبيده السلاح.

ومثل ذلك في الدستور المصري والدستور التونسي، وغيرهما من الدساتير العربية لا تختلف عن ذلك، وأنا هنا ركزت على دساتير الدول التي شهدت أحداث الربيع العربي، لأن الاحتقان فيها ظهر للعلن وتعرف عليه القاصي والداني.

ومع كل هذه النصوص البراقة التي تنافس أفضل ما في الدساتير الغربية وتتفوق عليها، لم تغنِ الشعب السوري مثلًا عن الدخول في متاهة انسداد الأفق السياسي هناك، وتكريس الاستبداد وسيطرة أسرة قليلة العدد على كل مقدرات الوطن من ثروة وقوة حتى وصلت إلى توريث الزعامة من الأب إلى الابن، ووصل الحال بالشعب السوري إلى رفع شعار الموت ولا المذلة.

وفي اليمن، كان أبو الألف وجه يتربع على كرسي القيادة بدعوى أنه وصل إليها عن طريق الاختيار الشعبي، وأنه لن يغادرها حتى تنتهي مدة ولايته الدستورية، هذه المدة التي تجاوزت ثلاثة عقود وكان يدعي بأحقيته في استمراريتها.

وفي ليبيا، تحولت الجماهيرية العظمى إلى عزبة خاصة للمفكر الثائر والقائد المعلم صاحب النظرية العالمية الثالثة وأبنائه، وأصبح الشعب -وهو صاحب السلطة ولا سلطة لسواه، حسب ادعاء الدستور الليبي- في نظر القائد جرذان لا يحق لها التظلم من سياسة مدعي التفويض الإلهي.

والتناقض الحاصل بين ما تقره الدساتير العربية لشعوبها من حقوق، وما ترفعه من شعارات ومبادئ سامية، وبين الواقع المعاش وبشاعته، موجود ومتكرر على كافة الأصعدة، وفي كافة الدول يزيد وينقص هنا أو هناك، ولكنه لا يغيب أو يختفي عن المشهد السياسي العربي، حتى أصبحت الدساتير العربية وما تقرره للمواطنين من حقوق ككذبة أبريل لا يصدقها الشعب ولا يغتر بها ولا يتخوف منها صاحب السلطة، ولا يلقي لها بالًا؛ فهي لا تتجاوز قيمة النكتة السمجة التي فقد الجمهور حماسته لسماعها من كثرة تكرارها عليه.

وكل ما في الأمر أن هذه الأنظمة استوردت هذه النصوص والمبادئ من الدساتير الغربية عن طريق القص واللصق بدون حتى فهم لمعانيها العظيمة، كما تستورد في العادة المنتجات الأخرى لاستهلاكها في تلميع البرواز، والصورة تبقى كما هي معتمة. للأسف، معظم الأنظمة العربية لا تعرف من هذه المبادئ إلا رسمها وشكلها، أما المضمون فحدث ولا حرج عن غيابه، كأن العبرة عند هذه الأنظمة بالألفاظ والمباني لا بالمقاصد والمعاني، وهذا للأسف ديدن غالبية العرب؛ فهم ظاهرة صوتية وشكلية تكفيهم قوة العبارة عن الانتقال إلى مرحلة تطبيق تلك العبارة، حتى أصبحت نصوص الدساتير عندهم كالخشب المسندة، وجودها يضر أكثر مما ينفع، لأنها تخدع الخارج بدعوى أنها أنظمة ديمقراطية ولا تنفع الداخل، لأنها تحصيل حاصل وصفر على الشمال!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع