المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد البنا Headshot

أدوات أم موارد؟

تم النشر: تم التحديث:

" أرسلوا الفوج الثاني والثالث" ..... بهذه العبارة وبكل برود وعدم اكتراث يرد (ريتشارد قلب الأسد) في الفيلم الشهير: "الناصر صلاح الدين" على الجندي الذي أبلغه بكل برود كذلك: إن الفوج الأول هزم يا مولاي! ..

هكذا وبكل بساطة، دعك من أن الفوج الثاني والثالث بالفعل قد قاما بما عليهم من إسقاط قلعة عكا الحصينة على إثر واحدة من تلك الخيانات المتكررة من ولاة الأمر! ودعك من ضخامة الجيوش التي جاءت من كل صوب وحدب من عصور أوروبا السوداء متعطشة للثأر والهيمنة على أمة مشتتة لا تراها جديرة بالوجود أصلاً! ما يعنينا هنا هو قيمة تلك الألوف أو مئات الألوف التي ألقى بها السيد ريتشارد وأمثاله من السادة مصاصي الدماء إلي التهلكة - وياللسخرية حين تعلم أنه وكنوع من النفاق المقيت لا يزال البعض يطلق عليهم لقب (القادة)!

حتى لا تتعب نفسك في التفكير حيناً والتبرير أحياناً.. إن تلك الألوف والملايين حقيقة ما هي إلا (أدوات) في نظر هؤلاء السادة إن شاؤوا أرسلوهم وإن شاؤوا جمدوهم وإن شاؤوا سيروهم وإن شاؤوا أوقفوهم!.. ليسوا إلا أدوات!.. نعم فقط أدوات!

تذكرون أو يذكر بعضكم ما تناولناه معا بمقالنا السابق "من القوة الغاشمة إلى السرعة المفرطة" عن أطوار الإدارة بمنظمات الأعمال خلال مراحل نموها الثلاث فمن مرحلة البقاء للأقوى ، ثم مرحلة البقاء للأصلح والأكفأ، ثم أخيرا ومع المرحلة الجديدة للقرن الواحد والعشرين صار البقاء للأسرع والأكثر مرونة!

وتناولنا السمة الأولى للمرحلة الجديدة في منظمات الأعمال اليوم وهي سمة القياس المستمر بغرض التحسين على اعتبار أن القياس هو أحد المتطلبات الرئيسية التي لاغنى عنها لمن يريد أن ينجو من خطر الانقراض!

وفي مقالنا الآن ومع سطوره الأولى بمقولة السيد (ريتشارد قلب الأسد) نرصد معا السمة الثانية التي لازمت المنظمات الرائدة في عالم الأعمال اليوم حيث البشر داخل هذه المنظمات صاروا أصولا وموارد وليسوا مجرد أدوات!

هل تعلم يا صديقي ما هو الفرق بين كونك مورد أو أداة في سياق منظمة ما أو مجتمع ما ؟
دعني أخبرك أمراً.. هل ذهبت إلى طبيب يوماً؟ ماذا وجدت لديه؟ سماعة، جهاز قياس ضغط الدم، جهاز قياس درجات الحرارة.. ماذا برأيك تظن علاقة الطبيب بهذه الاشياء؟ إنها مجرد أدوات إن شاء قام باستدعائها واستخدامها وإن شاء تركها في الأغلب في مكان بارز من عيادته كديكور لازم لإعطاء صورة ذهنية واضحة للجماهير على أنه طبيب حقيقي!

أرأيت هكذا كانت ولازالت المنظمات والمجتمعات التقليدية تنظر إلى منتسبيها وجماهيرها الداخلية! إنهم أدوات فحسب! قد لا تكون هناك حاجة أصلا لاستدعائهم وبالتالي هم ديكور جيد! ، يدل على أن الأمور تسير علي ما يرام، لا مانع أحيانا من ترك بعض المجال للأدوات حتى تتوهم أنها أشياء ذات قيمة لدى المنظمة!، ولربما أصبحوا عالة في أحايين كثيرة بفعل الإهمال وعدم التأهيل والتنمية فتثقل عاهل منظماتها ومجتمعاتها!

"لكن تأكد يا صديقي أبدا لا يسمح الطبيب أيا كانت قيمه وأخلاقه ومهاراته حتى لأحب أدواته أن تشاركه أرباحه وطموحاته وخططه المستقبلية!"

في أحد التقارير المصورة والمنشورة بواسطة إحدى القنوات الفرنسية عن ذلك العملاق الكوري في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والمعروف ب(سامسونج) وإن كانت هي المرة الأولى التي يسمح فيها لقناة أجنبية أن تدخل معقل ذلك العملاق فإن التقرير المصور الذي يتسع لقرابة نصف الساعة أسمته القناة الفرنسية (إمبراطورية سامسونج).. حقيقة لم يبهرني كم الإنجازات والهيمنة والقيم الثلاث المؤسسة للإمبراطورية ولا المستوى الراقي للخدمات المقدمة ولا كون أرباح مجموعة سامسونج الكورية تتجاوز أرباح آبل وجوجل ومايكروسوفت مجتمعين! ، لكنه وبحكم المهنة والتخصص لم يشغلني إلا معرفة تلك المعايير التي تضبط عمل ونجاح وهيمنة هذه الإمبراطورية الاقتصادية الضخمة .. لفت نظري حقيقة في تقرير القناة الفرنسية أن أحد أسرار ريادة سامسونج على مستوى العالم أنها تضم بين جنباتها أكثر من خمسة وعشرين ألف مصمم يمثلون أفضل العناصر البشرية القادرة على الإبداع في العالم!! ليس هذا فحسب ولكن لك أن تعلم أن معظم دارسي علوم التصميم الهندسي التقني في الدول الغربية مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها يتمنون فقط العمل أو التدريب لدى (سامسونج) ويحاولون بشتى الطرق أن ينالوا حظهم في الانضمام لهذا الصرح العملاق! فيكفي أحدهم فقط انتسابه ولو لفترة بسيطة للغاية إلى كيان (سامسونج) لتتخطفه أي من الكيانات التكنولوجية الأخرى المنتشرة بالكرة الأرضية، وإن كان من ينتسب إلى سامسونج لا يفكر أصلا في ترك تلك الإمبراطورية إلى غيرها! نظراً لإحساسه الدائم بأنه في سامسونج قد صار عضواً ذا قيمة في جسم ضخم ويزداد ضخامة ونفوذاً يوما بعد يوم، إنه الآن أصلٌ يُنمًي فيزداد بذلاً، وموردٌ يُمكن فيزداد إبداعاً!

قد يضيق المقام حالياً بسرد أمثلة أخرى لمنظمات ومجتمعات تمثل هذه السمة من سمات المرحلة الجديدة من تحويل البشر من مجرد أدواتٍ ثقيلة و تروس صدئة يتم استخدامها عند الحاجة أو في أتون المعارك- الوهمية أحياناً- إلى أصول وموارد لا تنضب من الإبداع والإتقان تتحول بشكل متسارع إلى ميزات تنافسية تضع منظماتها ومجتمعاتها في مواقع الريادة والتفرد!

يؤسفني القول بأنه لا أمل في أن انتقال منظماتنا ومجتمعاتنا الحالية إلى القرن الجديد وهي لا زالت بعد تتبنى قناعات ريتشارد قلب الأسد من العصور الوسطى!

التغيير المأمول يا صديقي لاشك يحتاج إلى ثقافة جديدة.. بفنون وعلوم ومهارات جديدة كلياً ..
بل أصدقك القول أنه وقبل كل ذلك فإننا نحتاج وبقوة إلى قيادات مختلفة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.