المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد البنا Headshot

من القوة الغاشمة إلي السرعة المفرطة

تم النشر: تم التحديث:

كانت السمة الغالبة على عالم الأعمال والإدارة في القرن الماضي هو أن السمك الكبير يأكل بلا هوادة ولا رحمة كل السمك الصغير، إذ لا مكان للصغار في المحيطات الضخمة حيث ترتع الحيتان وأسماك القرش القوية صاحبة النفوذ، وإذا أرادت الكيانات الصغيرة العيش فلا بد لها من التبعية لكيان أكثر ضخامة وقوة، وصار الوضع هكذا حيث اعتمدت نظم الإدارة علي الهياكل الضخمة ونطاقات الإشراف الأكثر صرامة والمركزية الشديدة في القرارات والبطء أحيانًا في التعامل مع المتغيرات وكان الشعار الغالب على نظم الإدارة هو: "البقاء للأقوى دائمًا"، حتى حدثت الثورة الهائلة في عالم الاتصالات وتدفق البيانات في الربع الأخير من القرن العشرين، فتغيرت قناعات خبراء الإدارة في العالم والتي بنيت علي قوة الهياكل وضخامة البنيان وصارت المركزية أقل شدة واعتمدت نظم الإدارة علي مفهومي الكفاءة والفعالية بشكل واسع فتحول الشعار سريعًا إلى "البقاء للأصلح" وكان للعمل الجماعي فعل السحر في تلك المرحلة، حيث صار من يملك الرؤية الواضحة المبنية على طموحات ومعايير وليست طموحات وأحلام فقط! وصار من يملك القدرة على الوعي بالبيئة الداخلية للمنظمة والبيئة الخارجية لها هو من يستطيع استثمار الفرص بشكل أكبر وأفضل من الآخرين في عالم استدعي المنافسة في كل شئ!

واستمر الأمر علي ذلك حتي مطلع القرن الحالي -القرن الواحد والعشرين- ومع تمدد ما يعرف بثورة المعرفة وهيمنتها لم يعد هناك مكان للسمك الكبير البطئ! صار العالم ملكًا للسمك الصغير الأكثر مرونة وسرعة، حيث تتغلب عدة أسماك صغيرة ذكية ومرنة وسريعة علي حيتان وقروش الماضي بما يثقل كاهلها من هياكل ونظم ولوائح وثقافة تنظيمية سائدة من ماضيها لا تنمو، حيث لم يعد عالم الإدارة بحاجة إلى تلك الأثقال والشحوم الإدارية والتنظيمية لاتخاذ قرارات التحسين والنمو التي تعتمد على البيانات والمعلومات والمعرفة في وقت أسرع وأكثر تأثيرًا من ذي قبل!

يا لها من مفارقة حين تعلم أن البقاء الآن أصبح للأسرع! ولم يعد للأقوى أو حتى للأكفأ فقط، فمعايير القوة والكفاءة حاليًّا في منظمات عالم اليوم لم تعد وحدها قادرة علي إدارة الكيانات والمنظمات، وصار لتلك المرحلة الجديدة مجموعة من السمات الملازمة لها، وهو ما نستطيع إدراكه يقينًا وسط تلك السرعات الضوئية الهائلة في كل شيء، فإذا أرادت منظمات اليوم -بكل تصنيفاتها- التحول إلى المرحلة الجديدة فلا بد لها من التحقق بهذه السمات لا ريب..

دعونا في مقالنا الحالي نطرق باب سمة واحدة فقط من هذه السمات اللازمة ثم نرجو أن يجمعنا المقام مرة أخرى لنكمل إن كتب الله لنا ذلك.

القياس المستمر بديلًا عن التقييم النهائي!
لقد ظل علماء وخبراء الإدارة حينًا من الدهر يعلمون طلابهم ومريديهم بشكل مستمر: أن متطلبات تحقيق أهداف أي منظمة تنحصر في التحقق من توافر متطلبين رئيسين لا ثالث لهما: (خطة عمل ممنهجة ومحكمة، وموارد مادية وبشرية ملائمة) وظلت هذه القناعة تطغي كثيرًا على فكر المخططين في ظل المرحلتين الأولي والثانية من مراحل نمو الإدارة في القرن العشرين، وهما مرحلتا: القوة والكفاءة، حتى قبل عقدين من الوصول للقرن الجديد، حيث اكتشف المديرون التنفيذيون في الشركات الكبرى أنهم يبذلون جهدًا كبيرًا جدًّا في وضع خطط أعمال محكمة ومفصلة ودقيقة، وكذلك يحرصون على توفير الموارد اللازمة لها، وفي تقييماتهم السنوية النهائية يجدون المخرجات متواضعة ولا تتلاءم مع آمال المنظمات وطموحاتها، ومع إشراقة المرحلة الجديدة من عمر الإدارة في الألفية الجديدة بدأ الجميع يؤمن بأهمية القياس المستمر لأداءات النظام الإداري بأكمله من أول يوم للخطة مع التحسين المستمر بدون انتظار التقييم النهائي، وتطور الأمر حتى صار القياس متطلبًا ثالثًا يضاف وبقوة للمتطلبين القديمين، حيث لا تتحقق أهداف المنظمات الآن بدون الثلاثة معًا، وصارت سمة رئيسة من سمات الإدارة في عالم اليوم أن يكون هناك خطة استراتيجية واضحة للقياس في أركان النظام الإداري كله بلا استثناء وموازية للخطة الاستراتيجية الرئيسة والخطط التشغيلية المنبثقة منها، وتبني استراتيجية القياس على ملازمتها لكل وسيلة ولكل أداة ولكل إجراء صغيرًا كان أم كبيرًا، وبالتالي أحيانًا قد لا يكون هناك معني للنظم التقليدية للمتابعة والتقييم السنوي أو النصف سنوي والتي كانت عماد الإدارة التقليدية قبل ذلك، حيث توفر نظم القياس الشامل تلك البيانات اللازمة التي يتم تحليلها في حينها؛ مما يحولها لمعلومات مفيدة ومعارف غاية في الأهمية لصانع القرار، يتم التحسين بناءً عليها باستمرار، مما يضمن تحقق الأهداف في نهاية المطاف، وبات يعرف ما يسمى بمؤشرات الأداء الرئيسة (KPIs) Key Performance Indicators ، وغيرها من مقاييس الأداء والتي تقيس باستمرار كفاءة وفعالية النظام وأركانه داخل المنظمة، بالتأكيد ساهم التطور الهائل في نظم المعلومات وتخزيمها وإدارتها وتأمينها في جعل الأمر أكثر روعة وأكثر فاعلية مما نظن.

نستطيع القول بكل وضوح وبساطة أنه في عالم النظم الإدارية اليوم: لا يوجد سبيل للتحسين بدون قياس، ولا يوجد سبيل للقياس بدون نظام للرصد، ولا توجد قيمة ولا جدوى للرصد ولا للقياس بدون أثر واضح في التحسين.

وقد يجمعنا اللقاء قريبًا -بإذن الله- مع سمة أخرى من سمات الإدارة في القرن الحالي
حيث الانتقال من القوة الغاشمة إلى السرعة المفرطة!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.