المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد زينوبة Headshot

تسعة أعشار العقل

تم النشر: تم التحديث:

القلبُ بئرٌ تختزنُ فيه كل أسرار النفس والحياة، لست معنياً بالشق عليه، والبحث والتنقيب عن مكنونات ما يخفيه صاحبه ويستره، عامِل الناس وفق ما أظهروه لك، وتقبَّل منهم ذلك برحابة صدر وسعة نفس وطيب خاطر.. تكن أسعد الناس.

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَبِل من المنافقين اعتذارهم، ولم يفتش عن نواياهم، وهو الذي يعرفهم في لحن القول، ذلك أن خفايا القلوب هي من علم الغيب، فلا ترهق طاقتك العقلية والنفسية والعاطفية في التفتيش عن الخبايا وما وراء المعاني.

يقول أحمد سالم، في جحيم المعرفة ونعيم الجهل والنسيان: إن شهوة الاطلاع على مخبآت القلوب، والرغبة في كشف ما تكنه النفوس، والسعي المحموم لمعرفة ما يخفيه الناس، والنبش عما يطمره صاحبه، كل ذلك شر وفساد، فكم من نفس نصادقها ونعاشرها سنفرُّ إن نبشنا كمائن القلب منها!

حسن الظن، التماس الأعذار، العطف، اللين، الرأفة، الحب، الصبر، التسامح، كلها أخلاق إنسانية رائعة، ولكنها تنهك حاملها وتستنزف مشاعره، أن تُنقذ قلبك من الغرق، أن تنعشه مرةً أخرى، يتطلب منك ذلك آلاف المحاولات، يتطلب منك التغافل وإظهار الحسن ما استطعت، فالقلب مجرد عضلة، وهي قابلة للتدريب بالتعود.

يحدث أن تجد مَن يخذلك، مَن يحاول إعاقتك والإطاحة بك، مَن يخونك، مَن يشمت لمصابك ويطعنك في الظهر غدراً وغيلةً، مَن يتلصص عليك ويتحسس أخطاء، مَن يفشي سرك ويظهر نقائصك كذباً وبهتاناً، يحدث كل ذلك وأكثر في عالم منقوص المروءة لا مبادئ له.

في خضم هذه المحنة الفوضوية ستذكر مَن آذاك، ستفكر في استيفاء حقك ورد دَينك وإن كان ظلماً وعدواناً، حينها لن تفلح كل النصائح القاضية بالدفع بالتي هي أحسن، ذلك أن كبرياءك لن يحجمه شيء عن التلذذ بالانتقام، وإذاقتهم لذات الكأس المريرة التي أشربوك إياها؛ إذ للتشفي حلاوة سائغة تشفي صدور قوم مظلومين كانوا قد تعرضوا للأذى.

في هذه الأثناء ستنسى أو تتناسى لربما كل الأخلاق الحسنة، ستغض الطرف عامداً عن معنى التسامح والعفو؛ حيث إن للإحسان لغة لا يفقهها إلا مَن أتى الله بقلب سليم، عرف حقيقة الناس فطلقهم.

هنا يا حميم انحت ذاكرتك القلبية دوماً، انحتها وتجاوز متغابياً كل مَن خذلك، متغافلاً عمن آذاك، متجاوزاً لكل مساوئهم الدنيئة، تجاوز.. وداوِم على ذلك بوجه طلق وابتسامة صادقة حتى تستشعر إحساساً نبيلاً بداخلك!! إحساساً يفيد بأنك غني، غني عن كل أحد وفوق كل أذى.

في الخيانة والإخفاق وحين العجز، هناك حيث انقطاع الأمل، تتجلى روحك، روحك المخبوءة فيك، الدفينة في أعماقك، تتكشفُ لك استجابةً للفطرة، تمنحك فرصة للتغيير، تعطيك الحرية، وتهبك ما لم يكن لك قبل ذلك، تكسرُ لك الأقفال التي لم تتمكن من فتحها، إما لضعفك أو لعجزك أو لترددك، وتطلعك على حقيقة العدم، حقيقة الطمأنينة الكامنة في التغافل والتجاوز.

الناس جُبلوا على الظلم والإساءة، بقدر ما فيهم من خير وصلاح، فإن لم تحمِ أنت نفسك هلكك الناس، وإيّاك أن تجعل من عرضِك كلأً مُباحاً، أو مضغةً يلوكها اللؤماء كيفما شاءوا ومتى شاءوا.

العفو الذي أقصده هنا ليس استكانةً وبكاء، والعفو لا يليق بمن عُرف بدناءة الخُلق؛ حيث إن أصلَ كل عداوة هي في اصطناع المعروف إلى اللئام، جزاء السيئة سيئة مثلها، ولكل مقامٍ مقال.

وكنتُ جليسَ قعقاعِ بنِ شورٍ ** ولا يشقى بقعقاعٍ جليسُ
ضَحُوكُ السنِّ إن نطقوا بخيرٍ ** وعند الشرِّ مِطْرَاقٌ عَبُوسُ

المهم هو ألا تبادر أنت بالإساءة، وألا تضمر في نفسك الشر، وألا تفتش في أودية الظلمة الكائنة في صدور الناس.

ويبقى أن أشير إلى أن حياة الإنسان قصيرة، يمتحن فيها المرء مرات لتظهر أخلاقه ومروءته، وإنسانيته وأصله؛ ليبقى له صيت حسن، أو ذكر في الناس سيئ.. والسعيد مَن نظر في امتحانه، وكتم حظوظ نفسه، وسعى لما يصونها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.