المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ياسين ديرع Headshot

أبو تريكة.. مَلَكَ القلوبَ بِصَمتِه قبل سَمتِه

تم النشر: تم التحديث:

كجزائري.. أتذّكرُ الأزمة الكُروية بين مِصر والجزائر بمرارة كلّما ذُكرت العلاقة بين البَلدين، أتذكّر كيف انحدر الإعلام السّاقِط أخلاقِياً بنا في حُفرِ الشِّقاق والفِتنة، لم تكُن سِوى مُباريات كرة قدم تأهيلية لمونديال إفريقيا الأول الذي خرجنا مِنه من دورِه الأوّل.

أتذكرّ كلّ الكلام الذي قيل بين البلدين، كلامٌ يعُفّ اللِّسان عن ذِكرِه، لم تكُن سِوى مباريات كرة قدم بين الأشقّاء لولا السِّياسة فكانت الشّقاء.. مُنّي المنتخب المِصري الكبير بخسارة ذهبت معه أحلام كبار لاعِبي منتخب مصر الكِبار بالمشاركة في كأسِ العالم أدراج الرِّياح، كما ذهبت معه آمال آل مُبارك في تورِيث الحُكم.. أبناءُ مبارك الذين عادوا مؤخراً إلى مُدرجات الملاعِب وغاب الجمهور.

شيءٌ آخر لم أستطِع محوهُ من ذاكرتي المُتعَبة، صمتُ أبو تريكة وهو اللاعِب الكبير الذي لم ينقُصه سوى تركِ أثرِه في كأسِ العالم ولم يُنقِص ذلك في قدرِ اللاعب العظيم من شيء!

بعد أشهرٍ معدودة من "مباراة أم درمان" قدِم أبو تريكة مع ناديه إلى الجزائر في إطارِ مسابقة كأس أبطال إفريقيا، هتف الجمهور الجزائري باسمه ووقف وصَفّق له عند خروجه من الملعب، ودمُ الجمهورِ لا يزال ساخِناً يومها مما كان يتلقاه من إعلامي مِصر السّاقطين! لم يمنع ذلك كلّه الجمهور الجزائري من أن يحتفِي بلاعب غيرِ عادي، ففي حضرة أبو تريكة لا تملِك القلوب إلا أن تُحبّه حتى وإن جاء إلى أرضها لِيلعب ضِدّها، فأبو تريكة حالة فردية نادِرة جدّاً، استدعت الجزائر أبو تريكة مِراراً في كلّ احتفالٍ كُروي وتكريمي، فمن أكرم أبو تريكة فقد أكرم الرّياضة وأخلاقها!

مرّت تقلُّبات كثيرة بِمصر بعد سقوط آل مُبارك، وكالعادة لاعِبُنا الخلوق عرَف لِنفسِه مقامها فالتزمه، كان دائم الصّمت إلّا في مناسبات قليلةٍ جدّاً، كان مُواطِناً عادياً يهتمّ بأمرِه وأمرِ مِهنتِه ومُحِبّيهِ فقط، يبدو أنّ ذلك لم يعُد يرُوقُ لحُكومة الانقلاب ولا يكفي، فإذا لم تَكُن معي فأنت ضِدّي.. لم يتكلّم أبو تريكة حتى بعدما أرادوا تشويه صورتِه، وهيهات لهم ذلك، فأبو تريكة ملَك القُلوب بسنواتٍ قبل أن يأتي انقلابهم، لم يتكلّم حتى عندما تحفّظوا على أموالِه ومنعوهُ إيّاها، أبو تريكة اغتنى بِقلوبِ النّاس وبِحبّهم عمّا سِوى ذلك، وخير دليل على ذلك أنّه رفض أن يأخذ مُقابِلاً عندما شارك في مباريات أبطال العالم في الكُويت، ذلك البلد الذي يسعى نظام الانقلاب للظّفر بحفنة "رُز" منه، ومن جاراتِه دولِ الخليج!

أبو تريكة اكتفى بقلوبِ النّاس وبِشرف مقابلة أبطالِ العالم.
أبو تريكة صامتٌ في دولة لم يعد ينفعُ فيها الكلام، صامتٌ في زمن الفوضى والتّشدقِ باللسان، أبو تريكة حمل راية مِصر عالياً، وارتقى بأخلاقِ الرّياضة في كلّ مَيدان.

قرأتُ في تعليقات بعض المصريين الأحرار أنّ وصف اللاعِب الخلوق أبو تريكة بـ"الإرهابي" لن يُكرّه مُحبيه فيه، بل بالعكس سوف يُحبّبُ إليهم وصف الإرهاب، عندها أدركت خُطورة الوضع، لماذا يُجازف هذا النّظام بِتزوير هذا الوصف وتحويرِه؟ وكيف يُخاطر بجدّية الناس عِندما يكون الكلام عنِ الإرهاب الحقيقي؟ كيف لهؤلاء القضاة أن يلعبوا بالألفاظ لا لِشيءٍ سِوى إشغال الرّأي العام عن قضيّة أرضِهم وحريّتهم ومعيشتِهم؟! في ذلك الصباحِ خرجت كلّ صُحف العالم بفضيحة وسمِ المصريين لِبطلهم بالإرهابي، تذكّرتُ قول الشّاعر:

يا ناطِح الجبل العالي لِيَكلُمه ** أشفِق على الرّأسِ لا تُشفِق على الجبلِ

وقرأتُ أيضاً تعليقاتٍ أخرى للإخوة المِصريين يدعون فيها بطلهم إلى الذهابِ إلى الجزائر "فإنّ فيها رجالة جِدعان لا يُضامُ عِندهم بطل ولا يُهان فيها أميرٌ للقلوب"، فتحمّستُ جدّاً، وقُلت: لَيته يفعلها، فما أحوجنا لملِكٍ خلوقٍ في قنواتنا ومياديننا، والله لو قدِم لفرشنا له الأرض بساطاً من مودّة، حبّ أبو تريكة سبقه إلى كلّ أرض في العالم، وصمته الجميل وصبرُه وابتسامته هي من فتحت له قلوب النّاس لِيتملّكها، فعاش البطل.. عاش الأمير، مرحباً بِك في بلادك، فأنت لم تُغادرها يوماً يا أمير القلوب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.