المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ياسين ديرع Headshot

فاز ترامب.. فماذا بعد؟

تم النشر: تم التحديث:

فاز ترامب، وانتهى بِفوزِه أكثر سِباقات الرئاسة الأميركية جدلاً في تاريخ الانتخابات في هذا البلد، فاز ترامب بعدد المصوتين الكِبار في المجمّع الانتخابي، وليس بعدد المواطِنين الذين صوّتوا له في أعقد نظامٍ انتخابي عرفه العالم، فالناخب الأميركي البسيط ليس ناضجاً بالكفاية، فهو ينتخبُ من سينتخبُ عنه، ولكِن أصوات وِلايته لا تقبلُ القِسمة على اثنين!

هذه ديمقراطية بلاد العم سام التي تُقدّم على أنّها أعظم ديمقراطية أُخرِجت للنّاس، لكِنّ ترامب فاز، ولا شيء سيعلو على هذا بعد الآن، فاز ترامب الذي سيمثل في شهر نوفمبر/تشرين الثاني أمام المحكمة لتتم تسوية أكبر فضائحه ألا وهِي قضية احتيال "جامعة ترامب"، جامِعة قدّمت شهادات ووُعوداً للطبقة الأكثر هشاشة في أميركا، طبقة العاملين الذين يحلمون بغدٍ أفضل، نفس الطّبقة الغاضبة التي صوّتت لهُ ليعِدها بأميركا أعظم من التي سوق لها شرائح للحم باسمه وجامعة باسمه، وأبراج باسمه، مشيّدةٍ بأموال الأميركيين وحرّم منها دخول أصحاب البشرة السوداء وباقي الألوان، كلّ هذا لم يُكن عظيماً إلا بعظمة اسم نرجسي أرادهُ صاحِبُه كذلك.

هذه سابقةٌ في تاريخ الرُّؤساء الأميركيين لم يسبِق أن يقف رئيسٌ منتخب أمام قاضٍ لفضيحةٍ باسمه قبل أن يقف في موكب الرّئاسة بأيام معدودة، لكن ترامب فاز، وهذا كلُّ ما يهم.

لأكثر من عام بقي المشهد العالمي معلّقاً، ويُتابع مجريات السباق الرّئاسي، وما سُيفضي عنه هذا المخاض العسِير لأقوى دولة في العالم، لأكثر من عام وأقطاب هذا الكوكب يرسمون خطوطاً وخُططاً لسياستهم المستقبلية في ظلّ حُكم كلٍ من المُرشّحَين في الاقتصاد والسياسة والحربِ والمعاهدات في فترةٍ لم يَكن عالَمُنا المهتز بحاجةٍ للانتظار والتّرقب، هل سيحكُم الجنون العالم؟ هل سيكتمِل وجهُه اليميني المُتطرّف بآخر قطعة على الصورة؟ ماذا لو فاز ترامب؟ كيف سيُفاوض الصّين على صِناعته؟ ماذا سيفعل الأوروبيون بمعاهداتهم الاقتصادية لمبادلات ما خلف المحيط والعسكرية لحِلف شمال النّاتو؟ ماذا لو اكتمل جنون العالم؟ ما مصير اللاجئين؟ ما مصيرُ اتفاقية باريس للمناخ في ظلّ حُكمِ رجُلٍ لا يُؤمن بالتغيّر المناخي لِمُجرّد خوفه من أن الصينيين وراء هذه المؤامرة للحدّ من نُفوذ أميركا الصّناعي؟

نعم فترامب فاز بتصديره الخوف للناس، فلِكلّ زمانٍ بضاعة، وبِضاعةُ هذا العالم اليوم هي "الخوف"، لا شيء يتسلل إلى قلوب النّاس في عالم اليوم كالخوف، في ظلّ الحروب والتنافس على الهيمنة اللّذين يحكمان العالم اليوم.

فاز ترامب، لكِنه لم يَدخل مكتبه في البيت الأبيض، ولا يزال أوباما في كُرسيه لأكثر من شهر، هذا الأخير الذي تباحث مع الرئيس الجديد سياساته، خصوصاً الخارجية منها، فرض أوباما على الفرقاء اليمنيين هدنة قبل خروجهِ من مكتبهِ، وهنا يكمُن مربطُ الفرس، كما يقولُ العرب، هذا ما سيُحدد سياسة أميركا الجديدة التي لا تتغير بتغيّر الأشخاص، لكنّها تتلوّنُ بتلوُنهم، كما قال البعضُ ساخراً من تغيّر عرقِ الرئيس الجديد بتشبيههِ بالمسلسل الأميركي الدرامي الطّريف: البُرتُقالي هو الأسود الجديد (Orange is the new blak).


فرض أوباما هدنتهُ في اليمن دون الرّجوع إلى دُول التحالف العربي، التي هي حليفته في الأصل، وعلى الورق، في حمايةٍ صارخة للحوثي وجماعته وحلفائه، فحِلفه مع العرب كان فعلاً من ورق!

ذكّرني هذا بوعود ترامب عندما كان في سباق الرئاسة بأنه سيلغي الاتفاق مع إيران، فهو كارثة بحدّ تعبيره، ولم تتحرك إيران بأية ردّ فعل أو حتى توعّدٍ كما عوّدتنا، فماذا يعني إلغاء اتفاق قبّعةُ العم سام الأميركية مع العمامة الإيرانية؟! إيران استعادت أموالها ورفعت الحظر عن اقتصادها، وتحرّكت عجلة نموّها بالفعل في مقابِل تجميد صناعة قنبلتها النّووية التي لن يكتوي بنارِها غيرُ حلفاء أميركا من العرب، فماذا بعد إلغاء الاتفاق الذي لم يعجب العرب غير فتحِ الطّريق أمام إيران وحُلفائها للسيطرة على ما تبقّى من أرض العرب وشُعوبها؟

لستُ متفائلاً بالعادة، لكنّني أتوقّعُ أن نكون لا نزال محتفظين بمُقدّساتنا في بلادِ الحرمين في اليومِ الذي يكتمل فيه هذا المشهد، قبل أن يصِل فيه الحوثي وجماعته إليها، ولا تزالُ إيران لم تفتح جبهة أخرى في دولة آمنة من دُوَلِ العرب.

ترامب قالها صراحةً: لن أحارِب الأسد، سأقاتل بجنبِه، فالخوف قادِمٌ من الشّرق، لكِنه قادمٌ من أوسطه هذه المرّة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.