المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل طه Headshot

"مولانا"... النقد بعد المشاهدة

تم النشر: تم التحديث:

بمجرد طرح الإعلان الدعائي لفيلم "مولانا"، فُتِحَت النيران على العمل الفني وعلى صُناعه من جهات عديدة، وللحقيقة فإن معظم الرصاصات كانت موجهة إلى مؤلف العمل، الكاتب الصحفي المثير للجدل دائماً وأبداً إبراهيم عيسى.

كمبدأ، لا أوافق على منع أي عمل فني مهما كان محتواه، ويجب أن يظل المشاهد هو نفسه من يحاكم العمل الفني ويقرر إما تمرير نجاحه أو إفشاله، وبناءً عليه لا أتفهم أبداً المطالبات بمنع الأفلام والمسلسلات وحتى الكتب والروايات، لكن من الطبيعي جداً تَفَهُّمْ مهاجمة الأعمال السينمائية ونقدها، لكن يبقى ضرورياً مشاهدة العمل الفني قبل الشروع في مهاجمته، أو على الأقل استيفاء فكرته وإدراك ما يرمي إليه بوضوح.

كان من العجيب أن يشن كبار رجال الأزهر والأوقاف وحتى أعضاء في مجلس النواب المصري حملة على الفيلم مطالبين بمنع عرضه، لكن الأكثر عجباً هي تصريحاتهم في برامج التوك شو المختلفة بأنهم لم يروا سوى الإعلان الدعائي للفيلم الذي فهموا منه إساءته لفئة الأئمة، ربما يمكن مهاجمة الأفلام ذات الطابع الإغرائي بمجرد طرح إعلاناتها الدعائية، فمهاجموها المحافظون ليسوا بحاجة لرؤية المزيد من العري أكثر مما يتفنن منتجوها في إظهاره في الإعلان الدعائي، الذي عادة ما يكون أكثر إثارة من محتوى الفيلم نفسه، لكن ماذا عن فيلم مثل "مولانا"؟

ينتمي فيلم "مولانا" لفئة نادرة قَلَّ أن نشاهدها في المحتوى السينمائي العربي، وهي الأعمال السينمائية ذات الطابع الفكري، ربما اعتاد المشاهد العربي أن يدفع ثمن تذكرة السينما لرؤية نجومه المفضلين في أفلام الأكشن والعصابات، ربما قد تفلح دعاية فيلم كوميدي خفيف الظل في دفعه لإخراج نقوده من جيبه أملاً في الترويح عن نفسه وطمعاً في بعض الضحك،

ربما لا تحتاج أفلام الجنس والإغراء إلى الدعاية أصلاً، فتذاكرها قد تُبَاع قبل إنتاج الفيلم أصلاً اعتماداً على اسم راقصة شهيرة تم الإعلان عن أدائها لعدة وصلات راقصة في الفيلم مثلاً، وربما كانت أكثر الأفلام نجاحاً في السنوات الماضية هو ما استخدم فيه المنتجون أرداف الراقصات كدعاية رئيسية لأفلامهم.

بالإيرادات المالية والأرقام المجردة ينجذب المشاهد العربي دائماً لصراع الأسلحة البيضاء ومايوهات البكيني وبدل الرقص على شاشات السينما، لكن ماذا عن صراع الأفكار؟
نجح فيلم "مولانا"، وهو فيلم فكري بحت، في اقتناص مساحة كبيرة من الاهتمام أدت إلى نجاحه، وربما قد خدمه مهاجموه ومطالبو منعه أكثر بكثير مما لو كانوا تجنبوه وصمتوا.

شاهدت الفيلم وأعجبت به فقط لطبيعته الفكرية المنشطة والمستفزة لعقل المشاهد، لكن في رأيي الفيلم فنياً ضعيف للغاية، مجموعة من الأفكار والاسكربتات المنفصلة وكأن كل مشهد قد جرت كتابته في سياق مستقل منفصل عن سياق باقي المشاهد وجرى تجميعها قسراً بجوار بعضها البعض، هل تشاهد برنامج إبراهيم عيسى؟

برنامجه عبارة عن مجموعة من الفقرات تناقش مواضيع ليست بالضرورة مترابطة، يقوم فيها بشرح فكرته والتنظير لها، وأعتقد أن ثقافة الرجل الواسعة تمكنه وتؤهله لممارسة التنظير والتحليل السياسي بسهولة وبراعة في نفس الوقت، لكن شاشة السينما تختلف تماماً عن شاشة البرنامج التلفزيوني.

لا أعرف فائدة إدراج ابن البطل في أحداث الفيلم مثلاً، فبعد بيان العلاقة الإنسانية القوية التي تجمع الداعية بنجله وشدة تعلقه به، انتظرت الجزء الذي سيتم فيه توظيف تلك العلاقة الإنسانية به حيث يضطر البطل لاتخاذ مواقف لا يرضى عنها من أجل حماية ابنه مثلاً، لكن انتهى الفيلم ولم يأتِ ذلك الجزء أبداً، بيان العلاقة بدون التوظيف الدرامي لها شيء عديم القيمة تماماً.

زوجة البطل كانت راضية وسعيدة في بداية الفيلم، وانتهى بها الأمر ساخطة وغاضبة للغاية دون أن يدرك المشاهد أي خلفية عنها ولا أسباب سخطها أصلاً، أيضاً الرجل الذي كان يسعى للتنصّر طوال الفيلم، تحول فجأة إلى متطرف إرهابي يفجر كنيسة، بدون تدرج منطقي ولا بيان واضح لكيفية هذا التحول الغريب، أشياء كهذه تبعث على ضيق وتشتت المشاهد دون سبب واضح.

أيضاً أسلوب التنظير لإيصال أفكار ومعتقدات جاهزة سابقاً بدون خلق الفكرة وتوليدها من سياق الأحداث، فمثلاً المشهد الذي يعترض فيه البطل على حديث في البخاري معلناً امتعاضه من أن الناس "صارت تعبد البخاري لا الله"، سياق تصادمي ستنقسم ردة فعل المشاهدين معه إما إلى إيماءة رضا من المنتمين لتيار المؤلف الفكري بشكل مسبق، أو سخط وغضب مخالفيه المتعصبين لفكرة الصحة المطلقة لكتاب كالبخاري،

كان من الأجدر أن يكون سياق تصادم أحداث لا أشخاص، صدام مثلاً بين المنطق في بعض الأحداث والحديث لبيان إمكانية كون بعض الأحاديث في البخاري غير صحيحة لتعارضها مع بديهيات منطقية.

من جهة أخرى، ظهر تدافع الأفكار سلبياً في دمج اكثر من خلفية متناقضة في البطل، فالداعية صناعة أمنية وخادم للسلطة كاتم للحق وساكت عن الظلم، وهو في نفس الوقت مجدد ديني، وهي متناقضات بقدر ما خدمت فكرة كشف حقيقة الكثير من الدعاة، أضرت كثيراً بفكرة التجديد الديني، عندما يظهر صاحب الخطاب كجبان كاذب كهذا، ربما كان من الأفضل تحويل كل تلك الأفكار المتدافعة لمسلسل حتى يمكن الاستفاضة وتفصيل خلفيات كل قصة بدلاً من هذا التزاحم المشتت.

لكن رغم ذلك أعجبت كثيراً بربط المؤلف قصته الخيالية بأحداث وأشخاص واقعية وافتراض مسار وأسباب خيالية لتلك الوقائع الحقيقية، أيضاً كشف الفيلم لاتخاذ الاتهامات الدينية كسبيل للنيل من المعارضين والخصوم السياسيين كان أفضل أفكار الفيلم وأكثرها قدرة على الوصول للمشاهد؛ حيث يستقيها من الأحداث بشكل مجرد بدون أدنى تدخل من البطل للتنظير للفكرة في حواره الذي خطه المؤلف، ولربما كان يجدر بباقي الأفكار أن يتم توصيلها بنفس الطريقة.

عموماً الفيلم مكسب لصناعة السينما في مصر، فلربما كان فاتحة خير في تواجد قوي لهذا النوع من الأعمال الفنية الفكرية، وإن ظهر الارتباك وغياب الترابط في العمل السينمائي الأول للمؤلف، فلربما نتدارك ذلك في أفلام وأعمال قادمة للمؤلف نفسه ولغيره من مبدعي الفن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.